تزف العروسُ إلى هودَجِها وسطَ احتفالاتِ أهالي القبيلةِ ليحمِلها برفقةِ قافلةٍ من أحباءٍ هم الأقرب ُ إلى قلبها؛ أبيها، أخيها، وأبناءُ عمومتها، إلى عَريسها من القبيلة الأخرى، لتعلنَ المصاهرةُ رابطةًقويةً في المجتمع ِ البدويِ، وهذا امتيازٌ دبلوماسيٌ وسياسيٌ واجتماعيٌ بالدرجةِ الأولى، فماذا لو كانتْ العروسُ تزفُ إلى شيخِ القبيلةِ الأخرى؟ سترفعُ السيوفُ والبنادقُ لتشكلَ أقواساً ترسمُ الممرَ الذي ستعبرهُ تلكَ العروسُ الجميلةُ، وستدقُ الدفوفُ، وتعزفُ ألحانُ الربابةِ، وتسطرَ قصائدٌ تُلقى لتحييَ مساءَ تلكَ الليلةِ، ستصفقُ أيادي ذاكَ المجتمعِ الصغيرِ، في تلك الصحاري ذهبيةِ الرمال.
هذا المشهدُ الجميلُ الذي يرمزُ إلى أسمى العلاقاتِ الإنسانيةِ، وأحدِ أغلظِ المواثيقِ على وجهِ الأرض، لهو فقط إسقاطٌ إنسانيٌ لمشهدٍ يطربُ النفسَ فرحاً، وبهجةً، وسروراً، نعم هذا المشهدُ هو إسقاطٌ لشعورِ إنسانٍ سعيدٍ بعروسهِ، والتي ترمزُ في مقالتي هذه لفكرتهِ الرائعةِ، التي سطعتْ في سماءِ ذهنهِ متلألأ ًبأجملِ حلةٍ وبأبهى صورة. ولكن ماذا لو اعترضها قائدُ فرقةٍ من قطاع ِطرقٍ واستهدفَ الهودجَ! ليختطف تلك العروسَ الجميلةَ ثم يصبحَ فرِحاً مُهلْهلاً بكُبرى غنيمتهِ؟ ما أشنعَ فِعلكَ!
هل أنت شهمٌ بما يكفي لتترك هذا المشهدَ الجميلَ والصورةَ البهيةَ تُنتِجُ سعادةً أكبر؟
إذاً لا تسرقْ عروسَ صاحِبكَ من هودجِها، ولا تعترضْ طريقَ القافلةِ كقاطعِ طريق، أو لصٍ وضيع؟ كن شهماً ودعْ صاحبَ الفكرةِ يشرحُ فكرته، ولا تخطبْ على حديثهِ، دعهُ يتحدثُ عن فكرتهِ، كما صنعها الله في ذهنهِ وألهمهُ إياها، فكيفَ لكَ نسخُ صنيع ِاللهِ في عبدهِ؟!
قد وُضِعتَ في طريقهِ عوناً له، وإلا لألهمكَ الله إياها، فـاْرْضَى بحكمِ ربكَ، ودعْ قافلةَ عروسِ صاحبكَ تصلُ إلى مضاربِ الأمان، إلى مضاربِ قبيلةِ عريسها لتتكللَ الفرحةُ بتمامها، وتزدانَ بسعادةِ الاثنين معاً.
زرعُ الأفكار سهلٌ جداً، ولكن اقتلاعها أو محاولةَ نزعها لهي مهمةٌ مستحيلةٌ على العقلِ البشري، لهذا صنفتْ الفكرةُ السيئةُ على أنها الفكرةُ التي لم توضعْ على طاولةِ النقاش، فهلا منحنا بعضاً مساحاتٍ حرةٍ نعبرُ فيها عن أفكارنا، وأروحنا، وعميق مشاعرنا؟
امنح ابنك، وابنتك، أختك، وأغلى النساءِ والرجالِ على قلبك فرصةَ التحدثِ، والتعبيرِ دون أن تمحو تلك المفردة، أو تلك الجملةَ، أو ذاك الشعور، اقبله كما هو، فلا تعلمُ المصاعبَ التي تكبدها لينتصرَ عليها بكونهِ فائزاً على مصاعبَ حدثتهُ بها نفسهُ، وقيودٍ وأغلالٍ قُيدتْبها يديهِ في سجن الأفكارِ الحائرة.
دعهُ ودعها ترسمُ لوحةَ المستقبلِ،والطموحِ، والإنجاز. هوايةً خارجةً عن المألوف كانت تلك الفكرةُ اللامعةُ، أم كان تحدياً أكبرَ مما توقعته له أو لها آنِفاً، ما زرعها الله في عقلهِ وعقلهَا إلا ليباركَ فيهِ وفيها ولهُ ولهَا، إنْ أخلصا النيةَ فيها لوجهِ اللهِ سبحانهُ وتعالى.
bshaleid@



