بحلي البهجةِ وسرورِ الأوقاتِ، أتمنى أن يتزينَ صباحكم، وأن تقضونهُ بصحبةِ أعزِ وأثمنِ أكوابِ قهوتكمْ الصباحية، وبمقطوعةٍ تُعزفُ تسلطنُ الروحَ، والفؤادَ، والفكر. استكملُ معكم حديثنا عن مَلئ الأقداحِ بصافي قهوةِ العلومِ، والمعرفةِ، والثقافةِ، والأدب الذي طرحناهُ الأسبوعَ الماضي.
في علم وعلومِ الآنيةِ، يسمى الكوبُ الفارغُ قدحاً، فإذا صُبَ أو سكبَ فيهِ الشرابُ المشروبُ أصبحَ كأساً أو كوباً، وبحسبِ تعبئتكَ لكوبكَ ذاك اختلفَ بهِ حالك. فبعض الأشخاص يحب كوبه أن يكون ملئ، والبعض الآخر يحبه نصفَ مملوء، والآخر لم يملئ كوبهُ بعد.
يعدُ كوبُ القهوةِ المملوءِ بالنسبةِ لي، كوباً مميزاً فاخراً صُنع من أفخرِ وأجودِ حباتِ البنِ واسُتخلصَ بأجودِ الطرقِ الممكنةِ، ليُسكُب القهوة والمعشوقةَ السمراءَ المحلاةَ بزُلالِ الماءِ صافيةً ذاتَ رائحةٍ زكية، وطعم ٍ غني ٍ ولذيذ، مجاوراً لصحنِ كعكةٍ فرنسيةِ الصنع في أرقى مقاهي القهوةِ على شوارعَ مطلةٍ على أفخرِ إطلالةٍ في مدن المنطقة ِ الشرقيةِ من شُرُفَاتِ شواطئِ خليجنا العربي.
ويرمز هذا الكوبُ الفاخرُ والذي يمثل علاّمةَ عصرهِ، والنابغةَ الفريدةَ في علمٍ معين، أو متعددَ الثقافاتِ عديدَ الاطلاعِ واسعَ الأفقِ، ومن يسقي نفسهُ من هذا الكوب، لهو الفائزُ والرابح، فقد أحسنَ انتقاءَ مصدرِ تعبئةِ كوبهِ. هذا الكوبُ يزدانُ في قصورِ، وقلاع ِ، وحصونِ المجتمع ِ، عندما يصنفُ العصرُ ذهبياً من الناحيةِ الثقافيةِ، والأدبيةِ، والفِكرية.
أما من ملأ نصفَ كوبهِ فهو لشخصٌ ذو مزاج ٍ فريد ٍ في انتقاءِ قهوتهِ الصباحية، ولقد فَتنني هذا الكوبُ الفريدُ، فهو الكوبُ الديناميكيُ العجيبُ المبهرُ الذي أَبهرني، الكوبُ النِصفُ مملوء، يتميزُ بقدرتهِ على سَقي شاربيهِ من مياههِ العذبةِ التي وردَ عليها من شواطئِ العلوم ِ، والثقافاتِ، والمعارفِ، والأدب، برمالها المختلفة، البيضاءَ والحمراءَ والسمراءَ. كما أن نصفهُ ما زالَ فارغاً، فلديه متسعٌ كافٍ ليتعلمَ ويتعلمْ، وليس فقط ليعطيَ الدروسَ والحِكمَ ويتغنى بِها طرباً.
أما من لم يملأ كوبهُ بعد، فكوبُ قهوتهِ لهو الكوبُ الغِض، وهذا النوعُ من أكوابِ القهوةِ لهو الكوبُ المدللُ على قلوبنا، بل نحنُ كُنا أكواباً فارغة، كُنا أقداحاً في يومٍ ما. هذا الكوبُ الغِضُ الفارغُ؛ هو الكوبُ الهشُ الذي يمثلُ طفولتنَا البريئةَ، فلنعتني بِأكوابنَا الفارغة، فهي أقداحٌ لم تمسها المياهُ الزلالُ بعد، ولم تحظَ بتجاربها الفريدةِ بعدْ، ولم تعزفْ لحنَ الحياةِ بعد، بل ما زالت مبهورةً بمعزوفةِ البارحةِ فرحاً، وإعلاناً بسعدِ قدومها لهذهِ الدنيا، فلنعتني بأكوابنا، بلْ بأقداحُنا الطفوليةِ الغِضة، ولنحسنْ سِقايتها من أباريقٍ مزينةٍ بلآلِئ الأدبِ وياقوتِ الثقافةِ وزمردِ العلوم.



