هناك في العراق، يختبئ الألم والحزن في زوايا مظلمة يراها الكثيرون لكنهم لا يحركون ساكنًا، تعذيب الأطفال في العراق ليس مجرد كلمات، بل هو واقع مرير يكتم الأنفاس، حيث تعرضت تلك الأرواح الصغيرة للأذى الجسدي والنفسي، تعنيف الأطفال جريمة مؤلمة تهز أركان الإنسانية، أطفال يتعرضون للعنف والتعذيب في بيئة من المفترض أن تكون آمنة، ضحايا صغار يعيشون في عالم من الرعب والشعور بالعجز والإحباط...
أحدث تلك الجرائم، قتل الطفل موسى العراقي على يد زوجة الأب، تابع المجتمع وتفاعل وغضب، لكنه لم يستطع إنقاذ الضحية ولا وضع قوانين رادعة لحماية الضحايا مستقبلًا ومعاقبة القساة والمجرمين، شرائح واسعة من المجتمع العراقي يربون أطفالهم على أن مفهوم القسوة والإجهاز الوحشي على الأعداء يعكس الشجاعة والإقدام، يولد العراقي وينشأ على ترانيم والدته الحزينة (دللول يالولد يبني دلول، عدوك ذليل وساكن الجول) وأساطير السلعوة والغول والوحوش، نشأة قاسية لطفل صغير يصطدم جسده الغض بسيل من عبارات الحزن والغضب والتحشيد العاطفي لينشأ متحفزا للعدو الوهمي المفترض، ومع مرور السنين يصبح هذا الطفل يومًا أبًا أو أمًّا، إنسانا بالغا بذكريات عنيفة لا يمكن توقع كيف سيتعامل مع المحيط؟..
الحادثة الصادمة وكمية الوحشية في جريمة اغتيال موسى وطرق التعذيب المبتكرة تفتح باب الأسئلة على مصراعيها، من أين جاءت زوجة الأب بكل هذه القسوة ومن أين جاءت بكل هذه السادية ومن أين جاء الأب الشريك بالجريمة بكل هذا الإهمال والتواطؤ والعجز؟
موسى الذي اشترك الجميع في قتله، زوجة الأب القاسية والأب المجرم والأم الضعيفة والأقارب الأدعياء والمدرسة المهملة والمجتمع الذي يشجّع على القسوة والجريمة، أنا هنا كأب أعلن عجزي التام عن فهم أو إدراك تلك القسوة والوحشية...!
حسب تقرير صادر عن الأمم المتحدة 80% من أطفال العراق يتعرضون للعنف، وعالميا يتعرض ثلاثة أرباع أطفال العالم ممن تتراوح أعمارهم بين 2-4 سنوات وهم قرابة 300 مليون طفل للاعتداء النفسي أو العقاب الجسدي على أيدي من يقومون برعايتهم في المنزل، ويتعرض 6 من كل 10 أطفال ممن تبلغ أعمارهم سنة واحدة، في 30 بلدا تتوافر بيانات عنها، للتأديب العنيف بشكل منتظم ويتعرض ما يقرب من ربع الأطفال الذين يبلغون من العمر سنة واحدة للهز الجسدي كنوع من العقاب، ويتلقى ما يقرب من طفل واحد بين كل عشرة أطفال الضرب أو الصفع على الوجه أو الرأس أو الأذنين، ويعيش طفل واحد من بين كل 4 أطفال دون سن الخامسة من العمر أي 176 مليون طفل مع أم هي ضحية لعنف الشريك أو بدون زوج، وكل 7 دقائق يقتل طفل ويعيش نصف عدد الأطفال ممن هم في سن الدراسة (تعدادهم 732 مليون طفل) في بلدان لا يحظر فيها العقاب البدني في المدرسة بشكل كامل، هذه الأرقام هي جزء من خريطة العنف في العراق والعالم، خريطة مسكوت عنها لا يرد ذكرها في وسائل الإعلام إلا حين تحدث جريمة مدوّية مثل جريمة قتل موسى، وداعا يا صغيري.. هذا العالم لا يليق بك....!



