يتفلت البعض اليوم ويريد أن يعيش حراً طليقاً كما يعتقد، بدون كبير يرجع إليه ويحترمه ويستفيد من تجربته.
إن كان هؤلاء يبحثون عن الرقي، فليعلموا أن طريق النجاح وعلامة الرقي احترام الكبير وتقديره، سواءً كان هذا الكبير والداً أو معلماً أو مسؤولاً أو شيخاً أو أي كبير من كبار السن، فاحترام الكبار واجب شرعي وأخلاقي، ولذلك جعلها رسول الإنسانية «صلى الله عليه وآله وسلم» من إجلال الله، حيث قال: «إنَّ مِن إجلالِ الله إكرامَ ذي الشَّيبةِ من المسلمين، وحامِلِ القرآن غيرِ الغالي فيه والجافي عنه، وذي السلطانِ المقسِط» وكل هؤلاء كبار.
وقد ذكّرتني بالتميز في احترام الكبير قصة قرأتها لامرأة من عِلية القوم على مدار التاريخ، أوردها الأبشيهي في المستطرف في كل فن مستظرف، تقول: اختلف الرشيد وأم جعفر – زبيدة زوجة الرشيد- في الفالوذج واللوزينج -نوعَين من الحلوى- أيهما أطيب، فحضر أبو يوسف القاضي فسأله الرشيد عن ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين لا يُقضى على غائب فأحضرهما، فأكل حتى اكتفى، فقال له الرشيد: احكم. قال: قد اصطلح الخصمان يا أمير المؤمنين. فضحك الرشيد وأمر له بألف دينار، فبلغ ذلك زبيدة فأمرت له بألف دينار إلا دينارًا.
لقد أنقصت ديناراً عن زوجها الخليفة احتراماً وتقديراً، فهل نقص قدرها وهي التي يقول عنها ابن تغري بردي: أعظمُ نساء عصرها ديناً وأصلاً وجمالاً وصيانةً ومعروفاً؟!
ثم يأتي اليوم من أبنائنا وبناتنا مَن يظن أن احترام الكبير زعزعة للثقة بالنفس، وقيد يجب التخلص منه، ولعل من أسباب ذلك رفاق ورفيقات السوء الذين لم يتلقوا تربية صحيحة في بيوت مستقرة، فينقلون تجاربهم غير السوية للأسوياء، بالإضافة إلى ما بثته على مدار سنوات طويلة وما تبثه، حتى الآن، الآلة الإعلامية الغربية من تشويه لصورة الكبار، فالأب الحريص على ابنته وابنه متشدد ولا يساير العصر، وكذلك المعلم والمعلمة، وما زالت حملات التشويه تُشن من خلال مواقع التواصل الاجتماعي ساعية للعبث وتغيير المفاهيم.
الأمل طبعاً بالراقين والراقيات أن يبقوا على فطرتهم ويسيروا على ما يُبقي البشرية، وينقذها من المسار الخاطئ الذي يدفعها البعض إليه، فنحن أهل القيم، ولابد أن نبقى أنموذجاً يقتدي به الآخرون، وكبارنا أولى باحترامنا وتقديرنا، فليس منا مَن لم يرحم صغيرنا ويحترم كبيرنا.
@shlash2020

