لا يخلو مجلس من مجالسنا من ذكر الطيبين ومآثرهم الرفيعة ومثاليتهم الفريدة والحقيقية. هم فعلا طيبون لكن الظروف المحيطة بهم كانت عنصرا كبيرا من عناصر طيبتهم، فالترابط الاجتماعي الفريد والفزعة والتكاتف والألفة أفرزتها تقارب البيوت والمزارع والأسواق وعدم وجود وسائل مُشغلة، كما أن تساوي الحالة المادية كانت من العناصر أيضاً، فهم غالباً متساوون في كل شيء. فالطبقية غائبة في الغالب، أما أصحاب المشاكل، فهم نتاج الجهل، والجهل بلاء في كل زمان ومكان، وحقيقة كنت من المعجبين بحياة الطيبين مقارنة بحياة المدنية المملة المُشغلة، التي جعلت بعض الناس ريبورتات بلا مشاعر ولا قيم! لكن أحد «شيابنا» «يتنرفز» من الثناء على الطيبين رغم أنه أحدهم، فهم ليسوا ملائكة على حد قوله ويكرر عبارته الشهيرة «كنا نتقاتل على نخلة، قتلنا الجوع والبرد»، ولا شك أن الذين يتقاتلون على النخلة هم قلة مقابل طيّبي القلب سمحي المحيا، الذين يجري على لسانهم الذكر والاحتساب في كل وقت، وهم السائدون في ذلك الزمان والشاذ لا حكم له، كما تقول القاعدة الفقهية، وإن كان «شايبنا» صاحب معارك النخلة يحاول التأثير علينا لكننا إن قارننا ركضنا اليوم وتباعدنا وشبعنا المفرط الممتلئ بالتباهي والمنافسة! مقابل «النخلة» المتنازع عليها والجوع، الذي يزيدهم تماسكا وقربا وجدنا أنهم في نعمة!
إن القيم العالية، التي كان الطيبون يتوارثونها هي قيم الإسلام الحقيقية، التي لم تتأثر بالدخلاء الحقيقيين أو الافتراضيين، وكانت الأسرة جميعها تؤمن بها وتتعاهدها، ولا يوجد بينهم مَن ينفر أو يستحي من واقعه أو حياته، حياة شاقة لكنها جميلة بكل تفاصيلها وبكل أحداثها ومشاكلها وفاقتها وضنكها، كانت قصصهم قصصا تستحق أن نسمعها مليئة بالأحداث الجميلة المثيرة، الشيء الوحيد الذي لا يمكن «لشايبنا» أن ينكره هو اعتلاء قيمة البر في هرم الطيبين فلا يوجد عاق إلا ما ندر، أبناء الطيبون يتنافسون على بر آبائهم بالفطرة، وهم العمالة التي تعمل بحب دون مقابل، وهم الكنز الحقيقي لكل أسرة، التي تتنافس البيوت في التكثر منها؛ لأنها منافسة رابحة. فالأولاد وحتى البنات «باريين» بامتياز ولكل قاعدة شواذ.
اليوم قيمة البر هي القيمة، التي «تصيح في الزاوية»، كما يقولون فالولد والبنت ينادون بالحرية والحرية في نظرهم التحرر من قيود البر وعذرا لتسميتها قيودا، ففي نظر البعض أن على الوالدين تقديم قرابين الولاء من مأكل ومشرب ومصرف دون تقصير وليس لهم فضل فيه، وكما نقلت لي إحدى الأمهات عن ابنها قوله «أجل ليش جايبينا» بمعنى أن ما تقدمونه واجب عليكم والرد جاهز، بل لسان بعض الأبناء «يلوط» آذانهم وعلى الوالدين أن يمشوا بجانب «الحيط» وعساهم يسلمون.
آباء اليوم لا يريدون أبناء يحملون معهم المحراث والطوب على ظهورهم، فهم يقبلون منهم أيسر البر وأبسط الكلمات ويتخذون وسائل الرحمة والرأفة والتربية المسالمة البعيدة كل البعد عن العنف، وطلبات آباء اليوم هي طلبات في صالح الأبناء في الغالب، فهي لا تتعدى متابعة وحرص على الدراسة والمستقبل، وعدم مغادرة بيت الأسرة في سكن مستقل لغير المتزوجين!! الذين بدأت الاستقلالية تتسلل لهم مبكرا!!. أما مستقبل آباء اليوم وحاجاتهم ليست لدى أبنائهم هي خادمة وسائق يخدمهم في كبرهم.
أما «سم» و«أبشر»، فهي الحلم الذي يراود المربين بعد أن طغى التبرير والإقناع مع كل طلب.. وحتى لا نغرق في التشاؤم، فإن البارين كثر، والحاملين لقيمة البر لن نعدمهم في مجتمع قوامه التخلق بأخلاق الدين والاقتداء برموزه.
@ghannia