حين نعلم أن الحياة ليست بهذه السلاسة، ونتمكن من فهمها وتقبلها كما هي، فإنها لن تكون كذلك، فقبول الحياة والنظر إليها برضا وأمل، يجعل من حقيقة صعوبتها أمرا غير شاق، لكن معظم الناس يتذمرون دائما من فداحة مشكلاتهم وأعبائهم والمصاعب المحيطة بهم، وكأنه يجدر بالحياة أن تكون سهلة، فهم يعتبرون ما يواجههم نوعا فريدا من البلاء لا يجدر به أن يصيبهم، وأنهم أو عائلاتهم أو منطقتهم أو جنسهم قد تعرضوا لذلك على وجه الخصوص بطريقة ما من دون الآخرين، وتبرز صعوبة الحياة لأن عملية مواجهة المشكلات وحلها هي عملية مؤلمة، تثير فينا مشاعر غير مريحة كالإحباط أو الأسى أو الحزن أو الذنب أو الندم أو القلق أو الكرب، وكثيرا ما تكون مؤلمة بقدر أي نوع من الألم الجسدي أو أكثر، ومع ذلك فالمشكلات هي العامل الأهم الذي يفصل بين النجاح والفشل، حيث تصنع المشكلات شجاعتنا وحكمتنا، وإليها تحديدا يعزى الفضل في نمونا عقليا وروحيا، فما أن نرغب في تحفيز نمو الروح الإنسانية حتى نعمد إلى تحدي القدرة الإنسانية، وحفزها إلى حل المشكلات، تماما كما يفعلون مع الأطفال في المدرسة، حين يتعمدون وضع مسائل لهم كي يقوموا بحلها وتطوير مهاراتهم، فنحن نتعلم عن طريق التحدي الناتج عن مواجهة المشكلات وحلها، فالأشياء التي تؤلم تعلم، ولهذا السبب يتعامل الحكماء مع التحديات والعقبات بقبول واع شجاع، ولأن معظمنا في الغالب ليس من الحكماء فنعمد بسبب خوفنا من مواجهة الألم إلى محاولة تجنب المشكلات بدرجات متفاوتة، فنماطل على أمل زوالها، وذلك بتجاهلها أو تناسيها أو التظاهر بعدم وجودها، وتشكل هذه النزعة لتجنب المشكلات والمعاناة العاطفية المتأصلة فيها الأساس الرئيسي للأمراض النفسية البشرية جميعها، فالكثير من البشر يفتقرون إلى الصحة النفسية الكافية، ويقطع بعضهم أشواطا كبيرة من الهروب والتسويف في سبيل تجنب المواجهة والمعاناة التي تسببها، ليمضي بعيدا عن كل ما هو جيد ومعقول، بهدف محاولة العثور على مخرج سهل، فيبني أوهاما معقدة كي يبتعد فيها عن الواقع، ويعبر كارل يونغ عن ذلك بإيجاز بليغ فيقول «العصاب هو دوما بديل عن المعاناة المشروعة»، وفي النهاية يصبح البديل أكثر إيلاما من المعاناة المشروعة التي يحاول تجنبها، فيحاول الكثيرون تجنب الألم وتلك المشكلة، ليشيدوا طبقة فوق الأخرى من العصاب، ولهذا فحين نتجنب المعاناة المشروعة التي تنتج من التعامل بشجاعة مع المشكلات، فنحن بذلك نخسر النمو الذي تقدمه لنا، وهذا هو السبب الذي تعزى له الأمراض النفسية، لأننا حين نتوقف عن النمو نعلق في أماكننا وتتآكل أرواحنا، لذا فلنعمل على غرس السبل الكفيلة بتمكين الصحة النفسية والروحية في أنفسنا وأطفالنا، بتدريب أنفسنا وتعليم أطفالنا على قيمة المجاهدة، والحاجة إلى مواجهة المشكلات بصورة مباشرة، واختبار الألم المتضمن في ذلك، فالعزيمة وتأخير الإرضاء وقبول المسؤولية هي أدوات الانضباط الروحي التي تلزمنا في حل تحديات الحياة، وحين نعلم أنفسنا وأطفالنا الانضباط فإننا نعلمهم ونعلم أنفسنا كيفية النجاح في الخروج من المعاناة، والنمو روحيا.
@LamaAlghalayini



