LamaAlghalayini@
لا يكتمل فهم حقيقة الإنسان إلا عن طريق تناول مفهوم الرغبة لديه، فالإنسان بفطرته إنسان راغب، وتشكل الرغبة خاصية جوهرية فيه، فتعرف الرغبة بأنها ميل الشخص نحو الحصول على أمر يفتقده في وضعه الراهن، أو الرغبة في تخلصه من أمر يمتلكه، وهي من أقوى مواضيع الاشتغال الفلسفي والتحدي الوجودي، لأن رغبات الفرد لا تعد ولا تنتهي، فما أن تتحقق الرغبة المنشودة حتى تضمحل روعتها وتختفي، ليبدأ البحث والتوق عن رغبات جديدة، مثل طفل يطارد فقاعات الصابون المتطاير في الهواء، ما أن يمسك بواحدة حتى تتلاشى فيركض خلف الأخرى، على المنوال نفسه، فتجد أحدهم يحترق شوقا لتحقيق رغبته بالاقتران بمن يحب، ويخطط ويطمح ويدعو، وما أن تتحقق الرغبة حتى تخفت تلك الأحاسيس، ويتراجع الشغف، وتذبل شيئا فشيئا المشاعر الأولى التي كانت مليئة بالانجذاب واللهفة، أو قد يسعى آخر طوال حياته لبلوغ منصب معين، وما أن يبلغه حتى يتحول هدفه لمنصب أعلى، ويقترن شعور التوق دوما بالحرمان، حيث تفوق الرغبة بهذا الشيء كل ما عداه، غير أن تلك المشاعر تستبدل بالملل بعد تحقق الرغبة، وهكذا يتملكنا ظمأ للحياة لا يرتوي، وتظل أفواهنا فاغرة دوما نحو الأشياء، فهل ثمة فرصة بعد كل هذا لتحقيق صفاء الذهن وراحة البال؟، وللاطمئنان نؤكد ابتداء أن الإجابة هي نعم ولكن بتحقق بعض الشروط، لأن شرط تحقق الطمأنينة يكمن في تلك المسافة الحرجة والفاصلة بين الشوق إلى الرغبة وعدم تحققها، إنها في تقدير مسافة الرحلة حتى تظل الحكايات تستحق أن تعاش، وتبقى المغامرات ممكنة، والحياة ممتعة، فإذا كانت السرعة تقتل كما يقال، فالعبارة تصدق أكثر ما يمكن على السرعة في تحقيق الرغبات، لأن الوصول هو نهاية الحكاية، وموت رغبة يولد أخرى، ولهذا السبب تفضل بعض المذاهب الروحانية تأجيل الوصول لأجل غير مسمى، طالما تكمن المتعة الحقيقية للفراشات في مسافة الشوق نحو الشمعة، أما الوصول فهو الاحتراق، ونهاية رقصة الشوق.
وتظل فلسفة تدبير الرغبات معضلة محيرة متشعبة، تجعلنا نعاود طرح السؤال الذهبي فيما يتعلق بكل رغبة تراودنا، «ما هو الربح الأكبر من إشباع هذه الرغبة، وماذا سنخسر إذا لم يتم إشباعها؟»، فلا بد من حسابات الربح والخسارة، وتقدير الإمكانيات المناسبة في كل رحلة نحو تحقيق الرغبة، لغاية تحقيق الأمن الروحي والسلام الداخلي، فأفعالنا كلها ترمي لإقصاء الألم والخوف، لكن بعض الرغبات هي مجرد أوهام يجب التعامل معها بحذر شديد، لأنها تمثل خطرا على صحة الكينونة، فبداية الحل هي في إعادة التأمل فيها والنوايا الكامنة خلفها، وأن نستلهم من الحكيم العليم الهداية لاختيار رغبات العيش الحكيم، والطمأنينة الوجودية.
LamaAlghalayini@
LamaAlghalayini@



