وكان هناك خلط لدى أغلب المشاركين بين المجاملات، التي لا يعارضها أحد، وليست مدار اعتراض في أي مجتمع بشري، وقول الآراء المزيفة، التي لا يعنيها المرء ولا تتطابق مع ما يراه في تلك الأمور التي يناقشها مع الآخرين. مثلما كان الخلط بين عدم الاهتمام بوجود أولئك الأعداء، ليعدوها علاقة طيبة بهم. ومن هنا كنت دائما أؤكد أن قضية اللغة العربية في العصر الحاضر هي قضية فكر مشتت ومسطح ويحمل كثيرا من التناقضات، فمتى اهتم العرب بتلك القضايا، ربما أسهموا في النهوض بمجتمعاتهم، وأجيالهم القادمة، التي لا يمكن أن تنهض بسرعة، في حين أن بنية المنطق لديها ضعيفة، وتسير كيفما اتفق.
وإذا أتينا إلى لب الموضوع، فإن إبداء الآراء الموضوعية بحرية وصراحة في الأشياء والسلوك والمواقف أمر ضروري لتعاون حقيقي داخل منظومة العمل، وفي بيئات التماس الأخرى (من علاقات اجتماعية أو روابط قرابة وغيرها). ومن الطبيعي أن يكون هناك أناس في محيط العمل أو البيئات الأخرى غير قادرين أو غير راغبين في القيام بتلك الأعمال، أو لا يريدون أن تُنتقَد المواقف التي يتبنونها في عملهم أو في حياتهم. فتنشأ منافسات قد تصل إلى العداء، وعداوات قد تصل إلى الأحقاد، خاصة مع تدني مستوى الذكاء عند بعض من لا يستطيعون المنافسة، لكنهم يسعون إلى عرقلة من يرون أنهم سيتجاوزونهم في ظروف العمل الطبيعية. فيلجأون حينها إلى الوشاية، أو التقليل من جهود المنجزين غيرهم، وهذا هو ما يجعل العداء في محيط العمل المشترك أكثر ورودا من غيره، وأعمق أثرا منه بين أصحاب العلاقات العابرة، الذين يستطيعون تجاوز الخلافات بمجاملات بسيطة، وتجاهل ما لا يعجب أحدهم عند الآخر. بقي أن نقول إن تجاهل أمر المعادين، وعدم الالتفات إلى محاولاتهم، كل ذلك أشياء ممكنة، لكن ما يكون غير ممكن أن تقول آراءك بصراحة وموضوعية، وتبقى علاقاتك خالية من الأعداء. ويُستثنى من هذه القاعدة من ينافق كثيرا، أو إمعة ليس له رأي، فهؤلاء غالبا يسبغون على صفاتهم السلبية هذه ثوب الملائكية، بأنهم دون أعداء.



