نعيش في الغاب.. نعم في الغاب.. تسألني كيف وصلت لهذه النتيجة؟ من كثرة المكالمات التي تردني التي تبدأ هكذا «مرحبا أستاذة سمية معك منى/ مشاعل/سارة.. من البنك (الفلاني) عندي لك عرض تمويلي رائع....»
عندها أحس بأنني وغيري ممن تردهم هذه المكالمات فريسة يحاولون صيدها.
أنهي هذه المكالمات سريعا بقولي: لا اهتمام لي بالقروض وأنصحهن بعدم تضييع وقتي ووقتهن. أحيانا أؤكد لهن أنني أدل طريق البنك ولو أردت قرضا لعرفت كيف أصل إليه. ومع ذلك أحس بالذنب ليس لأنني حرمت موظفة البنك من عمولة، بل لأنني أعطيتها وقتا إضافيا لتزعج غيري، وقد يقع في الفخ أحد.
أعلم أن للقروض حاجة وأنها خدمة بنكية لها مستفيدوها، إلا أن الطريقة التي يتم فيها «تسويق» و«بيع» القروض ضبابية ومغلوطة.
فمن يقترض مبلغا بالتزام زمني محدد من حقه أن يعلم ما يلتزم به ولكن الطريقة التي يتم بها التوقيع وقلة المعلومات المتوافرة مسبقا والضغط الذي يحدث عند الموظفة من تهوين الأمر كلها تساعد في اتخاذ قرار خاطئ على عجالة يكون ملزما لفترة طويلة.
لو سألت ثلاثة من موظفي البنك نفسه ليشرح نظام القروض لحصلت على ثلاث إجابات مختلفة مع بعض التطابق البسيط دون نظام واضح يحمي عملاء البنوك ويبقى العميل فريسة ليس الهدف من صيدها الافتراس كون الحالة صعبة أصلا ولكن الهدف الاستعباد.
فنادرا ما يكون القرض واحدا، بل يبدأ بواحد ويتلوه آخر وتبدأ الدوامة، فبعد القرض الأول يأتي التكميلي وغيره.
من صالح البنوك إبقاء عملائها مدينين، فهم مقيدون وبمثابة الرّق وإن اعتقدت أن البنك متضرر من تأخر السداد يكون اعتقادك خاطئا.
فالبنوك تأخذ أرباحها أولا، ان اقترضت ١٥٠ ألفا و حسبت عليك بـ ٢٠٠ ألف مثلا وأردت أن تسدد أكثر من القسط ليقل المبلغ تجد أنه عند السداد الإضافي لا يفرق المبلغ الموفر كثيرا نظرا لأن البنك يأخذ أرباحه في السنة الأولى رغم التأكيدات بأنك تستطيع تقليل مبلغ السداد إن دفعت أكثر من القسط. ثم ما قصة الأرباح الثابتة؟
ففي المثال المعطى يربح البنك ٣٣٪ بحجة أن التمويل إسلامي ومن ضمن الأوراق التي يوقعها العميل وكالة لشخص ما ليبيع ويشتري أرزا أو شعيرا أو غيره والغريب في الأمر أن هذا الشخص رغم طول مدة خبرته لم يتقن عمله بعد فيشتري الأرز وهو غال ويبيعه رخيصا وبهذا تضاف خسارته فوق قيمة التمويل ليسدد العميل.
مازلنا في المملكة نفتقد إلى ما يسمى «الإقراض المسؤول» (responsible lending) وهو ببساطة أن يتعامل البنك مع عملائه بشكل مسؤول وعادل، وهو أن يحتسب إمكانية السداد دون أن يتعرض العميل لضائقات مالية أثناء فترة السداد. أتذكر ضجة مالية في ٢٠٠٧ عندما كنت في بريطانيا وكانت حول خدمة إضافية اسمها (PPI) وهي تأمين يمكن صاحب التمويل أو بطاقة الائتمان الاستفادة منه في حال العجز عن السداد بسبب فقدان العمل أو ظروف صحية أو غيرها. وكانت القضية أن الكثير من البنوك قامت ببيع هذا التأمين بشكل خاطئ إما بأن أوهمت عملاءها بأنه ملزم أو أنهم في الأصل لا تنطبق عليهم شروطه بأن يكونوا متقاعدين أصلا أو يعملوا لحسابهم الخاص بسبب عدم الوضوح والإيهام من قبل البنوك والمقرضين اضطروا إلى دفع تعويضات وصلت إلى أكثر من ٢٠ مليار جنيه إسترليني حتى بداية عام ٢٠١٦ وأسقطت في كثير من الحالات القروض أو جزءا منها نظرا للإقراض غير المسؤول ووجود نظام تظلم مالي قوي لديهم، متى يكون لدينا نظام إقراض مسؤول ونظام مالي وطني يأخذ صف المستهلك؟ ولو طبق لدينا كم من المقترضين يحق له أن تسقط عنه مديونيته؟