محمد العلي

نشوة التجاوز «1»

منذ أيام قليلة حظيت بزيارة كوكبة من الشباب ترفرف على وجوههم نشوة التجاوز ويضيء خطاهم السريعة الواثقة الحنين لا إلى حقول الابداع وآفاقه وحسب، بل الحنين إلى وضع كل فكرة تليدة أو طارفة في مهب الاسئلة لاستخراج ما فيها من ماء أو سراب.إنهم متفاوتو الأعمار والإنتاج، ولكنهم يجتمعون سواسية تحت مظلة نشوة التجاوز وخلع المهابة عن كل من لا يستحقها وكل من اعتاد الناس على غض أبصارهم تقديسا له واعجابا بآرائه ذات البريق الزائف.يلخص الناقد عبدالله السفر اتجاه الكتابة الحديثة بما يلي: (المنحى الذي تأخذه الكتابة الجديدة من نزوح عن العام والمشترك ان على مستوى ذاكرة الكتابة وأساليبها أو الالتحام بالنظرة الخارجية وسطوتها التي تجبر على الانصياع والخضوع للمسلمات الاجتماعية حيث تغيب الذات وينزوي الفرد في ظل أكبر يسمح أو بالتحديد يمسخ ابعاد الشخصية يحاصر حركتها وافرازاتها التي تنم عن مأزقها في الوجود).لو اقتصر السفر على قوله هذا لكان لا شيء يبعده عن تقويم اودنيس للابداع في العصر العباسي الذي يقول:(من القبول إلى التساؤل هذا هو الخط الذي ترسمه الحساسية الشعرية العربية» .. «في القبول رضا وطمأنينة ويقين، في التساؤل تمرد ورفض وشك» «القبول فرح وغبطة، والتساؤل قلق وهم، القبول علامة الثبات والتساؤل علامة التحول».لكن السفر لم يقتصر على التقويم السابق بل اضاف إليه تعبيرات ومفردات واسعة الدلالة مثل: الغربة - قلق الوجود - هشاشة الحياة - نزف الالم - الوجع - الوجود المزيف؟؟ الخ».هذه التعبيرات والمفردات نلتقي بها في معظم الانتاج الشبابي الحديث شعرا ونثرا وبعضها قد انحدر إلينا من العصر العباسي مثل الغربة عند ابي حيان وقلق الحياة عند ابي العلاء، لكن الحساسية الجديدة اضافت عند السفر تعبير «الوجود المزيف»).تستبد بك الدهشة أمام بعض التعبيرات القصيرة لا النصوص الكبرى وحسب مثل النصوص الصوفية ومثل هذا التعبير «الوجود المزيف» فقد وقفت طويلا اقلب دلالاته واقتنعت اخيرا بأن معناه يمكن اختصاره في «حقوق الانسان» فاذا حصل على هذه الحقوق فهو حي وإن حرم منها اصبح «وجوده مزيفا» واذن اما الوجود الحقيقي أو الوجود المزيف.قل لي: ماذا تختار؟