خذ قيادة المركبة مثالًا. قد يعرف السائق أن السرعة خطرة، ومع ذلك يضغط على دواسة الوقود أكثر مما ينبغي، وقد ينتقل بين المسارات بطريقة مفاجئة، أو يقترب كثيرًا من المركبة أمامه. هنا تستطيع التقنية أن تنتقل من عرض السرعة على الشاشة إلى فهم السلوك نفسه؛ فتنبه السائق إلى السرعة المناسبة للطريق، وتحذره من الاقتراب الخطر، وتساعده على البقاء في المسار، بل إن بعض التقنيات الحديثة في المركبات تتجه بالفعل إلى القيام بجوانب من ذلك.
ومن هنا، يمكن أن نتخيل خطوة أبعد: ماذا لو كانت المركبة تعرف أن الطريق الذي نسير فيه داخل حي سكني، أو بالقرب من مدرسة، فتجعل تجاوز السرعة أكثر صعوبة؟ وماذا لو تغيرت إرشاداتها تلقائيًا وفق حالة الطريق والازدحام والطقس؟ عندها تصبح التقنية شريكًا في الوقاية، قبل أن يتحول الخطأ إلى نتيجة غير مرغوبة يتحملها السائق والآخرون.
ولا تقف الفكرة عند المركبة. ففي المدينة يمكن للتقنية أن تنظم سلوكنا بطرق أكثر ذكاءً؛ حاوية نفايات تخبر الجهة المختصة قبل امتلائها، وإنارة تخفض استهلاكها عند غياب المارة، ونظام مواقف يوجه السائق إلى المكان المتاح بدلًا من الدوران وإرباك الحركة، وإشارات مرورية تتفاعل مع كثافة السيارات والمشاة. التقنية هنا لا تطلب من الإنسان أن يكون أكثر وعيًا فقط، بل تصمم البيئة بطريقة تساعده على اتخاذ القرار الصحيح.
وفي السياق ذاته، يمكن أن تدخل هذه الفكرة إلى المنزل والعمل. فتطبيق ينبه إلى ارتفاع استهلاك الماء أو الكهرباء، وهاتف يذكّر صاحبه بطول الوقت الذي قضاه أمام الشاشة، ومنصة تنظم الأدوار بدلًا من التزاحم، وخدمة رقمية توجه المستخدم إلى السلوك الأفضل في اللحظة التي يحتاج فيها إلى التوجيه.
ومع ذلك، يبقى هناك فارق مهم بين تقنية تساعد الإنسان وتقنية تتخذ القرار عنه. فنحن لا نريد مجتمعًا تضبط الآلة كل تفاصيله، وإنما مجتمعًا تُستخدم فيه التقنية لفهم السلوك وتحسينه، مع المحافظة على الخصوصية وحق الإنسان في الاختيار. فكلما ازدادت قدرة التقنية على معرفة تحركاتنا وعاداتنا، ازدادت معها مسؤولية وضع حدود واضحة لاستخدام هذه البيانات.
ولهذا، ربما يكون السؤال القادم في رحلة المدن الذكية مختلفًا:
كم خدمة أصبحت رقمية؟
سؤال مهم، لكن الأهم منه:
كم سلوكًا أصبح أفضل بفضل التقنية؟ فالمدينة الذكية تظهر ذكاءها عندما تجعل الطريق أكثر أمانًا، والطاقة أقل هدرًا، والمكان أكثر تنظيمًا، والإنسان أكثر وعيًا. وعندها تكون التقنية قد انتقلت من خدمة حياتنا إلى المساهمة في تحسين الطريقة التي نعيش بها.
[email protected]


