عن جائزة خادم الحرمين الشريفين للترجمة أحدثكم
حين نؤسس منظومات فكرية وعلمية قابلة لأن تتطور وتخدم البشرية في جميع المجالات المعرفية؛ فإننا بهذا نقدم خدمة جليلة للإنسانية، ونسهم في هدايتها، كما نسهم في إبراز استحقاقاتنا العلمية المفقودة منذ قرون، تلك الاستحقاقات التي بدأ بها الخليفة أبو جعفر المنصور، الذي كان أول من أمر بترجمة الكتب إلى اللغة العربية، ونحيي أثر الخوارزمي الذي كان أول من ألف موسوعة عربية للمصطلحات العلمية، كما نشجع العلماء الآخرين من خارج أمتنا؛ ليتنافسوا في نشر المعرفة، كما فعل "وليم جونز"، الذي كان أول من ترجم المعلقات السبع إلى اللغة الإنجليزية.اليوم، يقدر متوسط الكتب المترجمة في العالم العربي، بأقل من كتاب واحد في السنة لكل مليون من السكان، بينما الكتب المترجمة -على سبيل المثال لا الحصر- في المجر 519 كتابا لكل مليون، وفي أسبانيا 920 لكل مليون.بعد هذه المقدمة -إن صح تسميتها مقدمة- أجدني متحفزا لوضع جائزة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمية للترجمة، في مسار حضاري متقدم؛ لأنها تسهم في عكس الصورة الحقيقية المشرقة لحضارتنا العربية والإسلامية، فالجائزة وهي تصل عامها الثامن، بتميز علمي مرموق ومقدر، يطرح جملة مصنفات فكرية ومعرفية جديدة ومتجددة، في مجالات العلوم الإنسانية واللغات والعلوم الطبيعية؛ تؤكد أننا نمضي في الطريق الحضاري، بمنهج مؤسسي يضيف للبشرية الكثير، ويكمل المشوار الذي يتصل مع ما قدمه أسلافنا في كثير من العلوم التي تطورت عبر الزمن، وهذه -لعمري- أشبه بالبذور التي زرعت، وينبغي حصاد ثمارها باستمرار بمثل هذه الأدوات الفاعلة والمؤثرة، التي تحملها جائزة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمية للترجمة.عالمية الجائزة تسهم في استقطاب كفاءات العالم، ووضعهم في وسط عربي وإسلامي، يعتبر مهد العلوم، يضاف إلى ذلك كسر الحواجز اللغوية والحدود الجغرافية، وتعكس عن رسالة عميقة في الدبلوماسية التي تؤصل العلاقات الإنسانية والأخوية بين أمم هذا العالم، فضلا عن حزمة أهدافها الكبيرة والنوعية في تحقيق التواصل العلمي والفكري والتقارب، والاستفادة من مخرجات الأمم والحضارات.لا شك في أننا نسعد جميعا بما تحققه هذه الجائزة من أهدافها السامية، التي تنطلق من بلادنا، ما يجعل المملكة ذات دور عالمي كبير، ومستمر من خلال مثل هذه الفعاليات، التي تسهم في تطوير القدرات الإنسانية، وتعمل على نشر المعرفة وتحفيز العلوم. جائزة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمية للترجمة، تواكب مفاهيم العولمة في جوانبها الإيجابية، التي تعزز أنماط التواصل والتفاعل الإنساني، وتفتح الآفاق لتطوير العلوم والأفكار والآداب، وهي انعكاس واقعي قوي لدور وقيمة المملكة كقيادة وشعب، في المساهمة الإنسانية الراشدة، التي تهدف إلى خير بني الإنسان، في جميع أنحاء العالم. فتوسعة نطاقات العلم والمعرفة مسؤولية إنسانية عظيمة، قد تجد فيها الأمم المتحدة مشكلة وصعوبة في تطبيقها، ولكن ها هي المملكة تبادر بنفسها للقيام بأدوارها الحضارية بمجهودات ذاتية، تكتب بأحرف من نور في التاريخ العالمي.العالم الذي يتحدث مئات اللغات واللهجات، بحاجة إلى إطار دلالي مشترك، وهذا ما تقوم به جائزة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمية للترجمة، ولا شك في أن هذه الجائزة تختصر على جهود المنظمات الدولية طريقا طويلا، كان ينبغي أن تسير فيه؛ للوصول إلى الطريق الحضاري، وتؤكد هذه الجائزة أهمية بلادنا في المنظومة العالمية، في مختلف الأصعدة، وتعرف بنا كأمة ذات رسالة إنسانية عظيمة وملهمة، تعمل لخير وصالح الإنسانية. * مدير مراكز «اسكب» للاستشارات الأمنية والعلاقات العامة