فعقولنا تتطور بالممارسة ومواجهة التحديات، والأخطاء أمر حتمي لا بد منه في حياتنا، كما أن الفشل غالبًا ما يكون أمرًا لا مفر منه. لكن المهم هو أن ننهض مجددًا بعد كل فشل، وأن نتكيف مع تجاربنا لتجنب الأخطاء وعدم تكرارها، وأن نتعلم منها بدلًا من الوقوف عندها.
ومن هنا يأتي التأمل الذاتي، بحثًا عن دروس قد لا نتعلمها إلا بعد فوات الأوان. فالنظر إلى التجارب برؤية جديدة، وبعقلية النمو، يجعلنا ندرك أنه لا بأس من الفشل، بل قد يكون الفشل دافعًا إلى التعلم والنمو، ويساعدنا على التمييز بين ما ينجح وما لا ينجح.
أما العقلية الثانية، فهي **عقلية الوفرة**، التي تقوم على الإيمان بأن الفرص متاحة للجميع، وأن أرزاق الناس بيد الله سبحانه وتعالى، كما قال: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم، فيما يرويه عن الله تبارك وتعالى: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر».
ومن هذا الإيمان تأتي أهمية العمل، وانشغال النفس بما ينفع، وتهذيبها، وعدم الانشغال بأرزاق الآخرين؛ فلكل إنسان رزقه الذي كتبه الله له، ولن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها.
ومن هنا نصل إلى **عقلية المسؤولية**، التي تقوم على الاقتناع بأننا مسؤولون عن جودة حياتنا وقراراتنا، وأن تحمل المسؤولية يمنحنا قدرة أكبر على إدارة أنفسنا وحياتنا والتعامل مع نتائج اختياراتنا.
وتظهر المسؤولية في مختلف سلوكياتنا وتصرفاتنا، فالحياة مليئة بالتحديات والصعاب والتغيرات التي ترافقنا في كل مرحلة عمرية، وهنا يأتي دور عقلية المسؤولية في السعي إلى التطوير والاستمرار والتكيف مع متطلبات الحياة.
ومن منطلق ديني، دعا الإسلام إلى المسؤولية وتحمل تبعاتها، وخاطب بها الأفراد والمجتمع والأمة، وجعل القيام بها والحرص عليها من أسباب الحياة السعيدة والطيبة.
فتزكية النفس والمحافظة عليها مسؤولية، والقيام بالحقوق الأسرية مسؤولية، وإتقان الأعمال والقيام بالواجبات الوظيفية مسؤولية، وتحمل مسؤوليات المناصب والمراكز المهمة مسؤولية، والمساهمة الجادة في تقوية روابط المجتمع ونشر الخير والتعاون مسؤولية.
وهكذا، فإن **عقلية المسؤولية** تظهر في حياتنا في مختلف سلوكياتنا وتصرفاتنا، ويجب أن يصبح الشعور بالمسؤولية والقيام بها على أكمل وجه خلقًا وسلوكًا وممارسةً في واقع الحياة؛ حتى لا يحدث إهمال أو تساهل في أداء الواجبات، ولا تضيع الحقوق.



