وتعود الخلفية التاريخية لدخول التسويق في منظومة العمل الحكومي إلى ظهور التنظيمات والتشريعات التي سمحت بتطوير الأعمال، وتقديم منتجات وخدمات إلى السوق تتطلب ترخيصًا من الجهة الرقابية الحكومية، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى من يعرّف بها ويبرز جدواها الاقتصادية والاستثمارية. ومن هنا أُعيدت هيكلة إدارات الإعلام والعلاقات العامة لتصبح "التسويق والاتصال المؤسسي".
الخلاف – وهو مهني ولا يتجاوز ذلك – ظهر منذ اليوم الأول بين أبناء الفريق الواحد؛ فموظف التسويق يسعى إلى تقديم المنتج أو الخدمة وإيصالها إلى الجمهور، متحدثًا عن مزايا قد تكون لا تزال في طور الاكتمال أو التطوير. وفي زمن شبكات التواصل الاجتماعي، كما تستقبل الإشادة، عليك أن تستعد أيضًا لما ينهال من استفسارات وشكاوى، ليتحمل عبئها موظف الاتصال المؤسسي المعني بالتواصل مع الجمهور، وتعزيز السمعة، وبناء الثقة.
ومع مرور الوقت، انشغل الاتصال المؤسسي بإدارة ملفات متسارعة مرتبطة بالتقنيات والمنصات الرقمية والخوارزميات، الأمر الذي أبعد مختصي التواصل عن أداء أدوارهم في تعزيز الصورة الإيجابية للمؤسسة، والتعريف باستراتيجياتها، ومبادراتها، ومشروعاتها التطويرية، كما انشغل المختصون عن توجيه رسائلهم إلى المجتمع الداخلي في المنشأة، والتفرغ بصورة شبه كاملة للتعريف بالمنتجات والخدمات الجديدة، والإجابة عن كل استفسار مرتبط بها، والسعي، ليلًا ونهارًا، إلى تقديم الدعم لهذا الطيف الواسع من المستفيدين.
واليوم، تتجه أغلب الجهات الحكومية إلى فصل الاتصال المؤسسي عن التسويق، ليبقى الاتصال المؤسسي مرتبطًا بأعلى مرجعية في الهياكل الإدارية، فيما ينتقل التسويق إلى موقع يعزز أدواره الحيوية مع إدارات مثل الاستثمار والتخصيص، وكل ما من شأنه دعم الاستدامة المالية، وليؤدي دوره بعد التأكد من نضج المشروعات الاستثمارية، والمنتجات، والتطبيقات، والبوابات الرقمية، قبل الوصول بها إلى الجماهير المستهدفة.
فالجهات الحكومية لا تبيع سلعة غذائية أو منتجًا استهلاكيًا، بل تسوق لخدمات وتسهيلات تستهدف وصول أكبر عدد من المستفيدين إليها، وهذا يختلف، في الجملة والتفصيل، عن التسويق الذي يهدف إلى رفع المبيعات بصورة مباشرة.
وعلى هذا الأساس، وبعد سنوات من محاولات صنع توأمة بين التسويق والاتصال المؤسسي، أرى اليوم تصحيحًا يستحق الإشادة، لا سيما في القطاع الحكومي العام.



