أخطاء الثوار
بعيدا عن التطورات الأمنية والسياسية المتسارعة في البلاد الليبية تابعت بفضول الأسبوع المنصرم بعض ما كتب في الشبكة العنكبوتية، وبعض ما حوته من موضوعات أثارت جدلا وأخذا وردا بين رواد الفضاءات الالكترونية، ولفت نظري الإعلان عن احتفال بعض الليبيين والليبيات وبشكل علني الكتروني على الأقل بما كان يعرف بثورة الفاتح من سبتمبر، يعني الاحتفال بذكرى جديدة تمر على الناس من عمر النظام السابق الذي غادر المسرح السياسي الليبي والإقليمي والدولي منذ ما يقرب من أربعة أعوام. لا أجد تعليقا على هذه الملاحظة إلا أن للناس فيما يحتفلون به ويأملون فيه مذاهب، حتى وإن كان موضوع الاحتفال وإحياء الذكرى أصبح من الماضي. ومع ذلك فالحقيقة أن النقطة أو النقاط التي استوقفتني في هذا الموضوع هي ذهاب البعض إلى مقارنة الذي كان، أي النظام الجماهيري بأعياده ومناسباته ورموزه، بواقع الحال وحقيقة ما آلت إليه أمورها إلى الآن، وكيف انعكست تطوراتها على حياة الناس وعلى مجمل أوضاع الأمن والسياسية والاقتصاد. ووجدت البعض يورد أسبابا ويحاول منطقتها لصالح فكرة لا تجد الكثير من القبول بين قطاع كبير من الليبيين، حتى وإن كانت ثمار الثورة عصية عليهم. من ذلك أن البعض أكد على وجاهة فكرة الاحتفال لأنه يرى أن النظام السابق لم يتسبب في قتال الليبيين بين بعضهم البعض، ولا في تقسيمهم إلى ميليشيات وفصائل ودروع ومدن ومناطق وقبائل. هذا الرأي ناتج في جزء كبير منه من الاستفادة مما يمكن تسميته بأخطاء الثوار، وهو في الحقيقة يبرز عنصرا موضوعيا سيعود إلى مركز الأحداث مستقبلا، عندما يمل الفرقاء من الاحتراب ويقتنعون جميعا بالعودة إلى ساحات الحوار والتفاهم. بعبارة أخرى أن أي حل مستقبلي لن يخرج عن اجتماع الليبيين فيما بينهم، وحتما سيكون منهم من يسمون اليوم بأتباع النظام السابق الذين هم في المحصلة النهائية جزء من المشهد الليبي، إضافة إلى أنهم ومن خلال فوضى الأشهر الأخيرة التي شهدتها الساحة الليبية وجدوا لهم موطئ قدم للتأثير في الأحداث والعمليات العسكرية الدائرة هناك.لذا لم يكن مستغربا أن يتحدث باحث وناشط سياسي ليبي عبر قناة ليبية محلية عما كانت الأوضاع عليه قبل 11 فبراير 2011، ويشير إليها باعتبار وتمجيد كبير. أما الرموز التي تمثل أوجه النظام السابق وواتتها الفرصة تبعا لما يحدث في ليبيا للعودة للمشهدين السياسي والعسكري، فهي اليوم في تقديرنا أكثر قدرة على التعبير وأكثر جراءة على الظهور في وسائل الإعلام المرئية، ليس للتعليق وحسب على تطورات الأوضاع في الداخل الليبي، بل للإشارة إلى ما قد يفسر بدور لهم في عملية المصالحة والحل والخروج من الأزمة الخانقة التي تمر بها ليبيا اليوم، مضمون الخطاب الذي يروج له أتباع النظام السابق يقوم على شقين أساسيين لديهم، الشق الأول، وصف ثوار السابع عشر من فبراير بالعمالة والتبعية للخارج وللقوى الإقليمية والدولية التي هدفها الوحيد المعلن والمستتر هو الاستيلاء على الثروات البترولية والمعدنية التي يحويها التراب الليبي. وهذه جزئية مألوفة في صيغة الخطاب السياسي والإعلامي التي كان يتبناها النظام السابق، الشق الآخر والمندرج تحت مضمون الخطاب العام لمؤيدي النظام السابق وصف الثورة والثوار والداعين للديمقراطية في ليبيا الحديثة بـ"الواهمين"، والمقصود من هذه الإشارة التأثير المعنوي السلبي على مجموعة من المفاهيم التي كثر الحديث عنها بعد 17 فبراير 2011م، مثل الثورة والتحرر وليبيا المستقبل وغيرها.كل هذا ربما يأتي تحت مبدأ المناكفة السياسية بين الخصوم المعلنين والمخفيين، الأخطر في تقديرنا ما تتحدث عنه بعض المصادر من قدرة هذا الفريق أي فريق أتباع النظام السابق على التأثير الحقيقي على الأحداث من خلال الدعم المادي السخي، وتوفير الأسلحة والقدرة على اكتساب المؤيدين. لان هذا سيزيد الأمور تعقيدا على الأرض، وسيحول الحديث عن الحرب الأهلية في ليبيا من فرضية يتخوف منها البعض إلى حقيقية ماثلة للعين. هذه السياسة أحلام وحروب وصراعات ينجو منها الحصيف، ويشعلها من لا يعرف كيف يخرج منها مستقبلا، وتبقى أحلام الليبيين بين هذا وذاك، وليت أن القراء شاهدوا معي عبر احد المواقع الليبية مقارنة مفزعة، جسدها أحدهم عبر صورة من قسمين وانتشرت تلك الصورة في مواقع التواصل الاجتماعية. الصورة ببساطة تحوي في الجزء الأيمن منها صورة لبرج خليفة في دبي، كتب فوقها أحلام الليبيين في 2011م، وتضم الصورة في الجزء الأيسر مجموعة من الأشياء فوق بعضها عبارة عن اسطوانة غاز، يعلوها كيس دقيق موضوع بالطول فوقه زجاجة زيت وقطعة خبز مستطيلة. وكتب بجوار هذه الأشياء أحلام الليبيين في 2014م. * مستشار وباحث في الشأن الدولي