سالم اليامي

بنغازي والاحتكام إلى السلاح

إلى وقت قريب والتقارير الإقليمية والدولية تؤكد هشاشة الأوضاع الأمنية في ليبيا عمومًا وفي المنطقة الشرقية وفي مدينة بنغازي على وجه الخصوص، حيث شهدت المدينة التي يسميها الليبيون بعاصمة الثورة في العامين الأخيرين سلسلة مروعة من حوادث السطو والاغتيال والقتل والخطف لرجال الشرطة وقوات الصاعقة وللقيادات الأمنية والقضائية وللمواطنين والمقيمين من غير الليبيين، كل ذلك جاء على خلفية نمو وتشعب مجموعات مسلحة من مختلف التيارات والمشارب في مواقع داخل المدينة وعلى بواباتها وفي الضواحي المحيطة بها.عملية إدارة الحدود الليبية مع دول الجوار تشكل منذ وقت مبكر من عمر الثورة نقطة قلق بدأت تتعاظم أخطارها في الآونة الأخيرةبعبارة أخرى أن السلاح كلغة عامة في المنطقة الشرقية أصبح متفقا عليه ضمنًا؛ لأن الكل يحمل السلاح، حتى وإن لم يكن حبًا وقناعة في السلاح، فقد يكون درءًا للأخطار التي أصبحت من طبيعة الحياة اليومية. أحداث الجمعة الدامية في بنغازي 16مايو 2014م  لا يمكن فهم أبعادها ما لم يتم النظر إلى مجموعة من العناصر التي تبلورت على إثر الحدث نفسه. العنصر الأول أن من قام بشن العمليات العسكرية وأطلق عليها اسمه الرمزي «كرامة ليبيا» ومن وقع في حقهم الاعتداء هم جميعًا ليبيون، وينتمون بدرجات متفاوتة لمؤسستين متوازيتين في الاعتبارات الليبية العامة، وهي مؤسسة الجيش الوطني، ومؤسسة الثوار. العنصر الثاني أن ما يسمى في ليبيا بالجهات الشرعية والتي يقصد بها المؤتمر الوطني الليبي العام، والحكومة المؤقتة، ورئاسة أركان الجيش الليبي، والمؤسسات المساندة كدار الإفتاء الليبية وصفت ما حدث في يوم جمعة بنغازي بأنه خروج على الشرعية، وأنه انقلاب على ثوابت ثورة السابع عشر من فبراير2011م.العنصر الثالث وهو ردة الفعل الإقليمية ويمكن تلمس جوهر هذا العنصر من التحركات التي أعلن عنها في كل من البلاد المصرية والجزائرية وقبلهما في تونس من اتخاذ احتياطات احترازية أمنية على الحدود تحسبًا لتداعيات سلبية قد تترتب على أحداث بنغازي تتجاوز حدود البلاد الليبية وتصل إلى داخل هذه الدول.إلى هذا المستوى من العرض يمكن لنا أن نفهم بصورة أفضل خطورة الذي حدث، الأمر الذي ليس من اليسير التنبؤ به وليس من المتيسر أيضًا فهم طبيعته ما إذا تفاقمت هذه الأحداث بمعنى استمرت لمدة زمنية أطول، ووجدت على مستوى الداخل الليبي من يغذيها بالدعم البشري والمادي في الجانبين، إضافة إلى عناصر الدعم الأخرى المعنوي والإعلامي والقبول العام.من الملاحظات التي سعت الحكومات الليبية السابقة إلى وضعها دائمًا في الاعتبار ألا يكون الاحتكام إلى السلاح بين الليبيين أحد خيارات الحل لمشاكل الليبيين أيًّا كنت الخسائر. وتأكد ذلك مرات كثيرة خلال العام 3013م وتحديدًا أثناء فترة رئاسية الدكتور على زيدان للحكومة، حتى إن الرجل اتهم بالفساد وتقديم الأموال الطائلة كرشاوى من أجل الوصول إلى حل مع المجموعات التي سيطرت على حقول النفط في شرق ليبيا منذ ما يزيد على تسعة أشهر. واليوم وفي الخطاب المصور الأول للسيد خليفة حفتر كانت هناك إشارة واضحة إلى مرارة الوضع الذي أرغمه هو ومن معه على استخدام الخيار المسلح في مواجهة الصعاب التي تمر بها ليبيا عمومًا وبنغازي بصورة خاصة من وجهة نظره.وما يجب ملاحظته في هذا الجانب أن استخدام هذا الخيار تاريخيًا يرتب لنتائج لا تعود بالفرقاء إلى الوراء أبدًا، بل تأخذهم غالبًا إلى مناطق صراع جديدة أكثر حدة، ودموية. مدينة بنغازي لن تكون تلك القلعة الأسطورية التي تبتلع جراحها لوحدها -لا سمح الله- إن تطورت الأمور إلى الأسوأ، بعبارة أخرى إن لم تخمد شرارة الصراع التي أوقدت في بنغازي فلربما لا يقف الحريق عند مناطق ومدن الشرق الليبي هذا إذا لم تتجاوز الآثار السلبية للصراع الحدود إلى دول الجوار التي تتحفز لقراءة الاحتمالات والاستعداد بما يمكن لتلافي السلبي منها، علمًا أن عملية إدارة الحدود الليبية مع دول الجوار تشكل منذ وقت مبكر من عمر الثورة نقطة قلق بدأت تتعاظم أخطارها في الآونة الأخيرة بعد أن كثر الحديث عن الجماعات الإرهابية وتمركزها في بعض المناطق الليبية الحدودية،  وتجميع أنصارها وتدريبهم هناك، علمًا أنها لم تكن تحظى بذات الاهتمام عندما كان الحديث عن حدود شبه مفتوحة يقتصر على أخطار تهريب السلاح والبشر والمخدرات.