مستقبل الحوار في ليبيا
من المتوقع أن يسمع السائل عن طبيعة الأوضاع في البلاد الليبية واحدة من إجابتين، إما أن البلاد تسير إلى التمزق والتفكك ونمو بؤر للإرهاب والعنف وقرب نشوب الحرب الأهلية بين الليبيين المتقاتلين على الثروة، أو أن الأمور تتحسن بشكل تدريجي وأن كل ما يشهده الناس من تفجير ودمار واختطاف وضياع للمصالح والحقوق على الأرض الليبية أمور طبيعية وعادية الحدوث في أعقاب الثورات والتحركات الشعبية، وأن كل ذلك لا يحتاج إلا لبعض الوقت لتعود الأمور إلى نصابها. وفي الحقيقة يدرك المراقب أن طبيعة الأمور تكمن في منطقة أخرى قد تكون قريبة من الرؤية الأولى ويفصل بينها مسافة ليست بالهينة عن الرؤية الثانية. ويبقى الناس في البلاد الليبية في حيرة من أمرهم وفي خوف من غد لا يعرفون ماذا سيجلب لهم، واحدة من معضلات الوضع الحرج في البلاد الليبية عدم وجود منطقة وسطى يقبل الجميع الوقوف فيها من أجل "حوار" بين الليبيين، يتكاشفون فيها عن أمنياتهم ورغباتهم وطموحاتهم لبناء دولة "يتوافقون" على شكلها وآلية إدارتها وكيفية تقاسم خيراتها والحفاظ عليها. ومع إدارتك شخصيات سياسية وقوى مدنية تؤمن بضرورة الحوار بين الليبيين انطلقت في ليبيا الهيئة التحضيرية للحوار بخطة طموحة لمشاركة300 مندوب يمثلون شرائح المجتمع الليبي بقبائله ومناطقه، ويمثلون المجتمع المدني والثوار والأحزاب والتيارات السياسية والأعيان والحكماء والشيوخ والشخصيات الوطنية المستقلة والجماعات الثقافية، بالإضافة الى الليبيين في الخارج. ومهمة هذه الهيئة الإعداد لحوار وطني شامل بين الليبيين بهدف الوصول إلى وفاق. ليتمكنوا من تحقيق مصالحة وطنية تقوم على العدالة الانتقالية وتحقق نهضة تنموية فيما بينهم. وعلى مستوى التحرك الإقليمي في مسار الحوار بين الليبيين احتضنت مالطا كدولة جارة، وسعيا منها لتفادي مزيد من تداعيات الوضع في ليبيا، احتضنت أولى جلسات اللجنة التحضيرية لمبادرة الحوار، تحت منطلق عام هو السعي لبناء ليبيا دولة مدنية ديمقراطية، وتبلورت خلال هذه اللقاءات "لجنة الحوار الوطني" برئاسة الدكتورة فاطمة الحمروش.يبدو أن حركة النهضة وانتماءها الأيدلوجي يمثلان إحدى عقبات الحوار الليبي- الليبي حتى وإن كان ذلك الحوار بمباركة دولية ورعاية أمميةأما الطرف الإقليمي فقد استمر في الواقع في القيام بمبادرات مشابهة حيث صدر عن سلطات تونس ثلاث دعوات لرعاية حوار بين الليبيين، الدعوة الأولى صدرت عن رئاسة الحكومة التونسية، والثانية جاءت من وزارة الخارجية، والثالثة تبناها زعيم حركة النهضة السيد راشد الغنوشي، وربما يفسر ذلك أن تونس بلد مجاور لليبيا وهي شديدة التأثر بما يحدث على الأرض الليبية من تطورات أمنية، المبادرات التونسية لإرساء الحوار بين الليبيين وجدت أطرافا سياسية واجتماعية ليبية رحبت بها واندفعت بصورة ملحوظة إلى تونس وإلى لقاء القيادات السياسية فيها، وفي ذات الوقت لقيت هذه الدعوات رفضا من قطاع لا يستهان به من التيارات السياسية الفاعلة في ليبيا، أبرزها تحالف القوى الوطنية برئاسة الدكتور محمود جبريل، إضافة إلى التصريحات التي صدرت عن رئاسة الهيئة التحضيرية للحوار والتي أشارت بشكل مباشر وكأنها ترد على المبادرة التونسية الى ضرورة أن يكون الحوار ليبي التحضير والإعداد والانعقاد. ويرجح أن رفض الجهود التونسية في هذا الصدد من قبل بعض أطراف الحوار في ليبيا تعود إلى التخوف من أن يكون زعيم حركة النهضة التونسية منحازا إلى جانب قيادات الإخوان في ليبيا وذراعهم السياسي حزب العدالة والبناء. ورغم أن هذه المساعي من قبل الغنوشي على نحو خاص فانها لقيت ترحيبا أمريكيا جاء على لسان مساعدة وزير الخارجية الأمريكية التي شكرت السيد الغنوشي على جهوده في إطلاق الحوار بين الليبيين.كما أن فرنسا وألمانيا لم تكونا بعيدتين عن دعم الجهد التونسي حيث أعلن وزيرا خارجية البلدين عن دعم بلديهما للمبادرة التونسية الساعية لترتيب حوار وطني ليبي تشرف عليه الأمم المتحدة.يبدو ان حركة النهضة وانتماءها الأيدلوجي يمثلان احدى عقبات الحوار الليبي- الليبي، حتى وإن كان ذلك الحوار بمباركة دولية ورعاية أممية كما يبدو، يفسر ذلك بوضوح طلب الحكومة الليبية في أواخر أبريل المنصرم بشكل رسمي وعن طريق وزير خارجيتها من أمين الجامعة العربية قيام الجامعة برعاية حوار بين الليبيين بالتنسيق مع الأمم المتحدة بهدف تحقيق المصالح الوطنية الليبية ودفع شبح الاقتتال بين الليبيين.أهل ليبيا أدرى بحوارهم لكنهم لا يعرفون على وجه اليقين متى سيؤتي ذلك الحوار ثماره المنشودة؟؟