د. مبارك الخالدي

لا يُكَفِّرُونَ غَيْرَهم ولا يُفَخِّخُونَ أجسامَهم

لسنوات كنتُ أراهم يرتادون "ثقافة الدمام" في مقرها المنذور للانتقال من حي لآخر في الدمام، عاصمة المنطقة التي ضَنّتْ عليها بمقر يليق بانسانية العاملين فيها ومن يحضرون أنشطتها، بموازاة  بخل عتيد من  المركز الرئيس في المركز،  الذي لم ير ولن يرى، كما يبدو، أن الوقت حان منذ زمن طويل لِيصبح لفروع جمعية الثقافة والفنون والأندية الأدبية مقراتها الخاصة الدائمة. يأتون الى الجمعية ويتوزعون داخلها بحسب هواياتهم وميولهم. يعملون بدأب واخلاص اجتهاداً وتطوعاً، حتى يحسبهم غَيرُ المطلعين على الأمر أنهم يخرجون منها بجيوب تتساقط منها الريالات. ويكبرون ، بعضهم يستمر في ممارسة هوايته، ويتطور الى مستوى الاحتراف، والبعض الآخر تضطره ظروف الحياة إلى التوقف.سيكون الحصادُ أفضلَ لو ملأنا مدننا بالجمعيات والأندية والمراكز الثقافية مَؤَازَرةً بالمدرسة وبالجامعةوعندما يسافرون لتمثيل الوطن في مناسبات ثقافية وفنية مثل المسرح، يُدْهِشُونَ المراقبَ بانضباطهم الأخلاقي والعملي، إذ لا يحتاجون الى توجيه ونصح ووصايا.  وما يُدْهِشُ أكثرَ أنه لم يَخرُجْ من بينهم خلال كل السنوات الماضية من يُكَفِّر، أو من يرى العالم لا يتسع لغيره، وأن الله خلق الأرض له ولمن ينتمون لدينه أو طائفته. ولم يكن منهم من تسلل عبر الحدود الى بلاد أخرى ليقدم نفسه مشروعاً انتحارياً في حروب الآخرين؛ في الوقت الذي كانت فيه معسكرات الكشافة والجوالة والمخيمات وبعض المدارس والمساجد، وحتى الجامعات تُفَرِّخً العشرات والمئات الجاهزين للتحول الى قنابل موقوتة، وأجسام مفخخة لإزهاق أرواح الآخرين المختلفين عنهم في الدين أو المذهب. حقيقةٌ واضحةٌ غابت عن وعي المركز، ولا تزال غائبة رغم ما عانته البلاد على يد من وُثِقَ بهم وُأُمِنَ لجانبهم، واحيطوا بالرعاية والدعم بسخاء مدهش في ضخامته وتدفقه. أردت أن ألفت النظر إلى هذه الحقيقة في الوقت الذي تعلن فيه البلاد مشروعها لمعاقبة من يجندون أنفسهم للقتال، والموت على جبهات يفتحها الآخرون في حروبهم الخاصة، والتي ليس لها فيها ناقة ولا جمل.يفرض الانتماء القوي الراسخ لهذا الوطن، وحبه والحرص على أمنه واستقراره التذكير بأن ثمة جبهات أخرى، يتعين ان نخوض عليها الحرب ضد الفكر الضال والتشدد، وَكُره الآخر،   وكل ما يُحَوِّلُ الانسان إلى آلةٍ للقتل. ومن هذه الجبهات، جمعيات الثقافة والأندية الادبية؛ أو قصور، أو بيوت الثقافة والمراكز الثقافية الغائبة عن مدننا بطريقة غير مقنعة بتاتا. لماذا لا نجربُ أن نثق بهذه الصروح الثقافية الصغيرة كمصدات للشاذ والوحشي من الأفكار والسلوكيات والنزعات العدائية، بتوظيفها وفق خطط مدروسة لنشر قيم التسامح/التحمل، وروح الانتماء للوطن والحرية والمحبة لكل الناس بكل أعراقهم وأديانهم؟ لماذا لا تُنْتَشَلُ هذه الكيانات من حالة الرثاثة والهامشية، الى حالة الاعتراف الكامل والصريح بأهمية دورها، بعد أن أثبتت المدرسة قابليتها للاختطاف والاختراق من التكفيريين والمتنطعين، والجامعة لم تكن بمستوى الأمانة والثقة بها من هذا الجانب، بعد تجريدها عَمْداً أو جهلاً من دورها التنويري، ومسؤولية الاسهام في الارتقاء الفكري والسلوكي بأهل هذه الأرض، لينحصر اهتمامُها  في التأكد من مطابقة مواصفات مُخْرَجَاتِها لمتطلبات سوق العمل، فكان أن تَخَرّجَ منها من يحملون مواصفات المُحَرِّضِين على الارهاب والمملوءة قلوبهم بالحقد على المختلف بالرأي أو المذهب أو الديانة. الرعب.. الرعب عندما تنشغل الجامعة بمنافسة هيئة المواصفات والمقاييس. الرعب.. الرعب عندما يتوزع الطلاب في قاعات الدراسة الى مجموعاتٍ، بحسب الطائفة أو القبيلة أو الاقليم أمام عيون مدرسيهم. إذا كان الطلاب ينقسمون في الجامعه هكذا،  في ماذا يفكرون، وكيف يتصرفون خارجها؟.ستحدُّ العقوبات من تدفق الـ (مقاتلون بلا حدود) للخارج، ولكن سيكون الحصادُ أفضلَ لو ملأنا مدننا بالجمعيات والأندية والمراكز الثقافية مَؤَازَرةً بالمدرسة وبالجامعة، بعد تذكير الأخيرة بأنها جامعة للتعليم والتنوير وليست هيئة مواصفات ومقاييس.