تاريخية الإنسان (3-3)
التاريخ ليس هو الزمن .. بل هو فعل الانسان في الزمن .. ولذلك في المكان لأنهما مترابطان ولكن فعل الانسان في الزمن وفي المكان ليس مطلقا .. بل انه كما قال أحد الفلاسفة «إن الناس يصنعون تاريخهم بأيديهم ولكنهم لا يصنعونه كما يحلو لهم.. بل يصنعونه في ظروف معطاة مباشرة منتقلة اليهم من الماضي».الماضي هنا هو فعل الناس السابقين لنا في زمنهم، وما فعلوه هو التاريخ أي تاريخهم.. ولكن لماذا يؤثر فينا وقد يكون بيننا وبينهم قرون طويلة؟يؤثر فينا لان الذي يخرج الانسان من الوجود الطبيعي (الحيواني) هو البعد الثقافي، فهو الذي يميز الوجود الانساني عن غيره من الموجودات. وحيث إن فعل الانسان في التاريخ هو البعد الثقافي نفسه، فنحن لابد ان نكون تحت تأثيره، فهو الذي فصلنا عن الوجود الطبيعي، وأخرجنا من عالم الحيوان الى عالم الانسان، لذا يجب علينا ان نفهم هذا التاريخ، لنتأكد من اننا خرجنا حقا من عالم الحيوان.البعد الثقافي (= التاريخ) الذي تركه الاقدمون يختلط فيه الصواب والخطأ، وتسري فيه الحقيقة والخرافة، وتتطاير في فضائه الاساطير العارية او تلك التي تلبس حللا زاهية .. واذن علينا أن نميز بين هذه الانساق كلها؛ لنعرف أننا هل تخلصنا حقا من العالم الطبيعي أم مازلنا فيه غرقى الى الأذقان؟.من يلاحظ حتى بعين واحدة ما يحدث على الارض في عالمنا العربي كله يأتيه اليقين راكضا، بأننا حتى الآن لم نخرج تماما من العالم الطبيعي .. فأن يكون القتل في مجتمع ما للطفل والمرأة، وحتى للحيوان بدون هدف إلا لإطفاء ظمأ الحقد.. لا يمكن أن يكون مجتمعا خارجا من عالمه الطبيعي (=الحيواني).هذا احد الامراض الكثيرة التي خلقها التاريخ لنا وفينا، وعلينا أن نبحث عن البراكين التي تخرج منها هذه الامراض المزمنة.