سالم اليامي

«نعم» رأساً على عقب

 في المرة الأولى التي زرت فيها مدينة القاهرة  كنت بصحبة أحد الأصدقاء، وفي اليوم التالي لوصولنا قرر صديقي أن تكون أول مهمة لنا في هذه المدينة البحث عن المعهد العالي للفنون المسرحية. لحاجته إلى كتب ومعلومات «أكاديمية» عن المسرح والفنون المرتبطة به. حدث أن بدأت الرحلة في صباح اليوم الثاني، وبعد وصولنا إلى مقر المعهد ومبناه المهيب أخبر صديقي موظف الاستقبال أنه زائر من المملكة وشرح له حاجته، وكان يريد تحديداً الحصول على المنهج الدراسي للسنوات الأربع، وأسماء المواد المقررة « الكتب»  ويود معرفة كيفية الحصول عليها. لأنه يريد قراءة و دراسة كل ذلك على سبيل الهواية ويود تطبيق  نظام الدراسة بالانتساب، بما يوفر له تحقيق أو إشباع  شغفه بالمسرح و فنونه. المسئول أخبرنا بلطف أن الموضوع يحتاج إلى أكثر من توفر الكتاب والمنهاج،الأمر الأكثر جوهرية في رأيي هو  طبيعة التطورات التي يشهدها المجتمع السعودي  والتي تعبر عن نمو حقيقي قد يكون بطيئا وكثيرون يتمنون تسريع وتيرته لكنه في النهاية حقيقي وهذا هو الأساس. الذي غير كثيرا  من الصور عندي وربما عند غيري رأسا على عقب.يحتاج للجو الدراسي و للبيئة الأكاديمية وللحيوية والتدريب والشرح والحضور والانتظام . وأكد لنا أن توفر الكتب لا يغني عن المعايشة العلمية، المهم تحصلنا على بعض ما نريد، وقررنا الانصراف. ونحن نهم بالمغادرة سأل موظف الاستقبال صديقي باستغراب. لماذا وكل هذا الشغف للمسرح وفنونه لا تدرس كل شيء عنه في بلادك؟  كان من الصعب حينها أن يشرح صديقي وأنا للسائل كل التفاصيل والظروف المحيطة بالسؤال والتي يمكن أن تقدم إجابة منطقية ومقنعة له. واستمر ذلك العشق عند صديقي واتجه إلى القراءة بطريقته الخاصة وأصبح يلتهم كل ما يقع تحت يده عن كتابة السيناريو، والإخراج المسرحي، وفنون الديكور والحركة والإلقاء وكل الأمور المرتبطة بالمسرح. و اعتقد أن ذلك العشق مازال متوقدا بداخله رغم كل هذه السنين وإن كان تخصصه الأصلي وعمله بعيد كل البعد عن المسرح والدراما إجمالا، وأعتقد اليوم أن الظروف الموضوعية التي حرمت صديقي من أن يكون كفاءة مسرحية وطنية خلقت منه في أحسن الأحوال متذوقا جميلا وناقدا فنيا شفافا. استعدت أجواء تلك الرحلة التي حدثت منذ زمن بحنان وتأمل عندما علمت أن سيدة سعودية في أيامنا هذه تحمل درجة أكاديمية وتُدرس في الجامعات السعودية وتقوم  بالتمثيل والإخراج المسرحي وقدمت في الصيف الماضي مسرحية ضمن مهرجان ادنبره السنوي لتكون كأول سيدة عربية من المملكة العربية السعودية تشارك في هذا المهرجان الذي يحظى بسمعة دولية مرموقة. المسرحية التي قدمتها الدكتورة «ميساء الصبيحي» سبق أن عُرضت على نطاق محدود في المملكة، و أقول في نطاق محدود لان وسائل الإعلام المحلية لم تُشر إلى ذلك! جوهر هذا العمل المسرحي الذي قدم باللغتين العربية في العرض السعودي ، والانجليزية عندما عرض في ادنبرة هو الإضاءة على واقع المرأة الحقيقي أو الفعلي، وليس ذلك الواقع المعبأ بالنمطية في أذهان قطاع كبير من أبناء الغرب. في حوار تمكنت من الاطلاع عليه مؤخراً للدكتورة الصبيحي مع صحيفة دولية تقول ما معناه، المسرحية مجموعة قصص مستوحاة من واقع المجتمع السعودي. و تسلط شيئا من الضوء على حقيقة المرأة السعودية كمخلوق فاعل، لا أكثر. عنوان المسرحية « رأساً على عقب» واعتقد أن هذا العنوان يحمل الكثير من الدلالات أولها في تقديري أن جملة هذه الحقائق يجب أن تحدث تبدلا في مواقف الذهنيات النمطية عن المملكة وعن صورة المرأة المعتمة فيها، الشيء الآخر أن هذا الحضور والفاعلية في ميدان المسرح والتمثيل والتدريس الأكاديمي للدراما وفنونها في المملكة تعكس تغيرا يمكن قياسه بسهولة من مضمون قصة صديقي الذي عشق المسرح والتأليف المسرحي وانتهى به المطاف إلى التذوق الشخصي، الأمر الأكثر جوهرية في رأيي هو  طبيعة التطورات التي يشهدها المجتمع السعودي  والتي تعبر عن نمو حقيقي قد يكون بطيئا وكثيرون يتمنون تسريع وتيرته لكنه في النهاية حقيقي وهذا هو الأساس. الذي غير كثيرا  من الصور عندي وربما عند غيري رأسا على عقب.