نفق الثورة
مصطلح الثورة حديث نسبيا على الأذن العربية، على الرغم من أن الاعلام استخدم هذا المصطلح بإسراف منذ مطلع العام 2011م ودار جدل كثير حول انطباق مصطلح»ثورة» على حقيقة التغيرات التي شهدتها بلدان ما أصبح يعرف بالربيع العربي، وهل ما حدث ثورة حقيقة أم أنها مجرد تبدلات في الوجوه والأسماء وأنساق الحكم والإدارة فقط. اليوم يُقر عدد من الباحثين بشكل يشبه الاجماع على أن هذه البلدان وعبر بوابة الثورات ولجت بطريقة عفوية أحيانا، و شبه اجبارية في بعض الأحيان إلى جملة من المصاعب والعقبات أدخلت هذه البلدان في ما يشبه الدوامة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، هذه العقبات عرضت بلدان الربيع بنسب متفاوتة إلى منزلقات غاية في الخطورة كون هذه المنزلقات تمس البنى الاساسية المتصلة بشكل مباشر بوجود واستقرار هذه البلدان ومجتمعاتها، ويُجمل المختصون مواطن الضعف التي وسمت هذه الثورات في مجموعة من النقاط أبرزها،لعل الجزء الاكثر مرارة من دواء الخروج من هذا النفق تطبيق المصالحة الاجتماعية والعدالة الأهلية والسياسية ولابد من عودة ومساهمة قيادات وكوادر ورموز من الماضي في مفاصل ومواقع في البلاد لابد من تفعيلها واعادتها إلى طبيعتهاأن هذه الثورات ظهرت للوجود بصورة ليست كاملة النضج في حالة من « الخداج الثوري» بمعنى أن هذه الثورات تحتاج إلى ثورات مكملة أو تصحيحية، أو تحتاج إلى حركات تعديل مسار، وهذا ما تردد في البلاد المصرية في 30 يونيو 2013م وما يتحدث عنه الشارع التونسي في الاونة الاخيرة وهو ذات الشيء الذي يتحدث عنه عامة الغاضبين في اليمن وليبيا. ثانيا ان هذه الثورات لم تفرز قيادات ثورية «مقنعة» تأخذ على عاتقها تحمل تبعات الفعل الثوري، وبالتعبير التاريخي لم تظهر قيادات ثورية أو ما يسمى بأبناء الثورة الذين لهم من الصفات الشخصية القادرة على قيادة الجماهير وتوجيه حركة الثورة وتثبيت مبادئها. الأمر الثالث أن هذه الثورات عمقت تقسيم النسيج الاجتماعي الذي كان يظهر في السابق على درجة أعلى من التماسك والتوحد، وأخطر من ذلك أوجدت تقسيمات ذات أبعاد خطيرة في فرز المجتمعات العربية، فاصبحنا نسمع عن الحوثيين ومطالبهم الانفصالية في اليمن إضافة إلى الأصوات السابقة المطالبة بالانفصال في الجنوب، ومطالب النوبيين الثقافية والعرقية في مصر، وذات الشيء ينطبق على أقليات الامازيغ والطوارق و التبو في ليبيا. النقطة الرابعة أن من نتائج هذه الثورات حتى الآن على الأقل، انها عادت بالأوضاع الاقتصادية، والأمنية والاجتماعية والخدمات التي تقدم للمجتمع ضمن مسئوليات الدولة الحديثة إلى الوراء. مع بروز عنصر مهم وهو غياب أدوات الضبط وتوزيع القيم المجتمعية، كقوات الأمن العام و وحدات تطبيق النظام والقانون، وإن وجدت فغالباً ما تكون شكلية ولا تحظى بأي احترام حقيقي من عامة الناس. في صورة تلاشت معها أدنى مستويات تمثيل الدولة وسلطاتها. النقطة الخامسة أبرزت ما يمكن تسميته بتغول الشارع أو الجماهير في مواجهة سلطات ضعيفة، وفي أجواء تتيح درجة أعلى من المقبولية للمشاركة الاقليمية والدولية «التدخل» في طرح الحلول للمشاكل الداخلية سواء منها السياسية أو الاقتصادية! وأخطر ما يحذر منه أهل الاختصاص في هذا السياق هو بروز بوادر الاحتراب الداخلي بين الأنظمة الجديدة ومجموعات كانت كامنة ربما وجاء الوقت لتحمل السلاح وتفرض مشروعها الخاص للتغيير. إن جملة هذه العناصر أدخلت الثورات الوليدة في نفق يصعب الخروج منه، ما لم يكن هناك توافق متعدد الاطراف داخلي بين المكونات المجتمعية واقليمي يقدم الدعم ان استطاع ويتعهد بالامتناع عن تعطيل مسيرة هذه المجتمعات بصورة حقيقية وجدية، كما يلزم الشعوب أن تقتنع بأن التعبير عن حالات الرفض أو المطالبة لا يجب أن يكون عبر تعطيل مصالح البلاد و وقف حركة الاقتصاد والإنتاج، يجب أن يعمل الجميع من اجل أنفسهم في المقام الأول ثم من أجل المجتمع بمساعدة السلطة وتقويتها وتأهيلها. ولعل الجزء الاكثر مرارة من دواء الخروج من هذا النفق تطبيق المصالحة الاجتماعية والعدالة الأهلية والسياسية ولابد من عودة ومساهمة قيادات وكوادر ورموز من الماضي في مفاصل ومواقع في البلاد لابد من تفعيلها واعادتها إلى طبيعتها، بالاضافة إلى الايمان أن السلطة لها طريق واحد يرتضيه الجميع، ويتنافس الجميع بالوصول إليه بنصيب متوازن دون اقصاء او تمييز. ويستمر في موقع السلطة من ينجح في تحقيق مطالب وآمال الناس فقط.تجربة الثورة وأدبياتها في الفعل السياسي والاجتماعي العربي متواضعة جداً، و لكن بشيء من الصبر و الوعي الجمعي والمكابدة العامة، قد تخرج هذه المجتمعات من نفق الثورة ويتحقق لها الكثير مما كان يوما ما ضرباً من مستحيل.