عينا حمدة وأشياء أخرى
رحم الله الإمام الشافعي رحمة واسعة فكثيرا ما أتذكر أبياته المشهورة في فوائد السفر، والتي ذَكر منها غفر الله لنا وله اكتساب العلوم والآداب، وفي رأيي أن المرء يكون ذا حظ عظيم إذا ما تيسر له علاوة على الاستجمام في السفر متعة القراءة والاستزادة من أدب أو علم قريب من النفس، وخلال إجازة هذا الشتاء وفي احدى مكتبات مدينة دبي تيسر لي الاطلاع على مجموعة من الانتاجات الادبية والفكرية لكاتبات وكتاب من دولة الامارات العربية المتحدة، وجدت فيها أنسا وفائدة توجت متعة الزيارة إلى هذه المدينة الجميلة. ومن بين تلك الأعمال رواية "عيناكي يا حمدة " وهي عمل سردي لطيف وخال من التعقيد وتُشعر القارئ بأنه يعايش الأماكن والشخصيات والاحداث التي رُصدت سرداً في رأس الخيمة مثلاً وكأنها تحدث في الدمام أو المنامة أو الدوحة. "عيناكي يا حمدة" عمل أزعم أنه يحقق درجة ما من الاشباع الثقافي والنفسي للقارئ الخليجي بالدرجة الأولى الذي ربما عايش مناخات طبيعية واجتماعية وثقافية مشابهة، وهو على بساطته من ذلك النوع الذي يستوقف المرء ويؤثر فيه لعدة اعتبارات أبرزها، أنه باكورة إنتاج قلم نسائي إماراتي واعد في ميدان السرد.
حمدة وقصتها تصنع تطورا لجانب من الحراك الاجتماعي بامتياز في منطقة الخليج، هذا لا يعني أن البعد السياسي غائب في مجمل هذا الحراك ويكفي أن يتعرف القارئ بهدوء على شخصية الخال محمد ليعرف أن السياسة تنمو مع بيوت الطين وأشجار اللوز التي تجف في باحات المنازل عندما يهجرها أهلهاهي الكاتبة آمنة المنصوري، وحكايته مختصرة ولكنها مركزة في منظومة جدلية اجتماعية ثقافية عاطفية اُختُزلت في مولد حمدة الأنثى ثم حمد الذكر لعائلة تقليدية في الخليج لتبدأ حكاية الحب والمجتمع والتفتح والعلاقة مع الاخر. المسكوت عنه والمعلن في ذات الوقت في هذا العمل صراع الانثى في منطقة الخليج مع قطاعات من المجتمع تسعى لتهميشها لكونها أنثى فقط!. بساطة العمل في لغته التي جاءت حواراً باللهجة الاماراتية المحببة وسردا للمحكي بالعربية الفصحى، وزاد من قرب العمل للذهن والنفس الكم الجيد من الأشعار والحكم والامثال الشعبية الاماراتية التي انتشرت في ثنايا العمل، شخصية حمدة هي الشخصية الرئيسية وهي بعلاقاتها المتفرعة مع الشخصيات الاخرى تصنع جوهر العلاقات بين الشخوص لتلعب كل شخصية دورها ثم تغادر مسرح الورق لتبقى حمدة وهمومها الشخصية التي تلتصق بذهنية القارئ الذي قد يعجز عن مجاراة حمدة في تحديها وأسئلتها.. حمدة وقصتها تصنع تطورا لجانب من الحراك الاجتماعي بامتياز في منطقة الخليج، هذا لا يعني أن البعد السياسي غائب في مجمل هذا الحراك ويكفي أن يتعرف القارئ بهدوء على شخصية الخال محمد ليعرف أن السياسة تنمو مع بيوت الطين وأشجار اللوز التي تجف في باحات المنازل عندما يهجرها أهلها، الخال محمد الذي عاد من مصر متأثرا بما يفعله أهلها من التظاهر والمطالبة بالحقوق، وجد اصطفافا مجتمعيا ضده من الكبار والصغار بما يعكس الرؤية التقليدية للعلاقة مع الحاكم في منطقة الخليج والتي تقوم في جزء كبير منها على التقدير واعطاء المكانة، وربما هذه الملمح الذي قد يكون غير مقصود كما فهمته ذكرني بمضمون حديث لسمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم إلى قناة اخبارية في أوائل عام الثورات العربية 2011م حيث كانت المذيعة تحاول معرفة وجهة نظر الشيخ إذا ما انتقلت عدوى الربيع إلى أهل الخليج فرد بما معناه أن طبيعة العلاقة بين الجانبين هنا تختلف وتقوم في جوهرها على التقدير من جانب المحكومين وتلبية الاحتياجات من جانب الحاكم بما يعني تقديم أسس التنمية الاقتصادية. وإذا كان ما فهمته من قصة حمدة ومن تصريح الشيخ محمد صحيحاً فربما لا يغيب على أهل الامارات أن للتنمية الحديثة مفهوما أشمل يتجاوز بعض مظاهر الرفاه إلى جملة أخرى من الحقوق.