الطفولة في ظل اليتم
«فإن الرواية ذاتها قصيرة، وهي أقرب إلى القصة الطويلة، إضافة إلى الأحداث المشوقة والسريعة الإيقاع، فالوقت يمضي سريعا ما بين بداية أحداث الرواية في الشارع «الأزرق» أحد الشوارع الفقيرة في باريس، وحتى نهايتها في احدى القرى في بلاد الأناضول حيث آخر الرحلة التي جمعت مسيو إبراهيم العجوز المسلم الذي تجاوز السبعين، المحتفظ بحيويته ونشاطه، والصبي مومو اليهودي ابن السادسة عشرة، واسمه الأصلي «موييس» أي موسى، وبين العجوز إبراهيم والصبي مومو تنشأ علاقة حميمة لم تكن بدايتها طبيعية، حيث كان الصغير يسرق من دكان العجوز علب الأكل المحفوظ، (فما هو إلا عربي) مستباح ماله في نظر مومو. - لست عربيا يا مومو.. إنني من الهلال الذهبي. ويوضح بعد ذلك: ـ إنه الإقليم الذي يبدأ من بلاد الأناضول وحتى بلاد فارس يا مومو. ويزيده توضيحا: لست عربيا يا مومو.. إني مسلم. والرواية تتناول موضوعا على جانب كبير من الأهمية هو الحوار بين الأديان والصراع القائم بينها.. صراع أفضى إلى حروب طاحنة عبر العصور، وهو في هذه الرواية بين الإسلام واليهودية، حيث ينتصر المؤلف للإسلام بسماحته وقبوله للآخر، وانحيازه للقيم الإنسانية، وهي ملامح لم يعرفها الغرب تحت تأثير الصورة النمطية التي يحاول أعداء الإسلام تأصيلها في عقول ونفوس الناس في العالم (من هنا تجيء قيمة رواية «مسيو إبراهيم وزهور القرآن» التي تتخطى كل تلك العقبات العنصرية والدينية والحضارية، لتقدم لنا علاقة إنسانية جميلة بين مسلم ويهودي.. بين شرقي وغربي.. بين كهل وصبي) كما يقول مترجم هذه الرواية في مقدمته.
لا أعرف لماذا أصر المترجم على بقاء لقب «مسيو» ملتصقا بالعجوز «إبراهيم»، وكان الأولى أن تشمل الترجمة كل مفردات الرواية، فقد ظل التصاق مسيو باسم «إبراهيم» غير مناسب على ما أرى، وكان بامكان المترجم أن يسميه «السيد إبراهيم» بدل «مسيو إبراهيم» ليكون الاسم أكثر انسجاما مع المسمى مسيو إبراهيم قدم نموذجا لما هو عليه المسلم من خلق متسامح وكريم وغير متزمت، الإسلام بوسطيته التي لا تعرف التشدد أو التسيب، وذلك من خلال ما أبداه من سلوك فاجأ الصغير، ومن عاطفة أذهلته وهو الذي هجرته أمه بعد فترة وجيزة من ولادته، ثم هجره أبوه بعد أن فصل من عمله، فأقدم على الانتحار، تاركا ابنه في مهب ريح عاصفة من الوحدة والفقر ونزوات المراهقة، ووجد الفتى اليهودي في العجوز المسلم ملاذه من غوائل الزمن، ولم يتردد إبراهيم في تبنيه، والتعامل معه كما يتعامل الأب مع ابنه، وهو يعبر عن مشاعره فيقول: (إني سعيد يا مومو، فأنت بجانبي، وأنا أعرف ما في قرآني). أنا أعرف ما في قرآني.. جملة ظل العجوز يرددها في مواقف كثيرة، كأنما ليثبت قوة إيمانه بهذا الدين العظيم، ومدى تمسكه به وهو في بلاد الغربة التي لم تستطع أن تنسيه ماضيه. بعد وفاته يعرف الصغير أنه ترك له كل ما يملك، ليرث من مسيو إبراهيم أمواله وبقالته وقرآنه، ولأن أحداث الرواية تجري على لسان مومو.. حيث يخيل للقارئ أنها مذكراته الخاصة، فقد كانت آخر سطور كتبها: (وهكذا إذن أنا الآن مومو، المسئول عن دكان البقالة الواقع في شارع «بلو» الشارع الأزرق الذي هو ليس بأزرق. بالنسبة للناس جميعا أنا العربي الذي على الناصية، وعربي في عالم البقالة تعني: «مفتوح في المساء وفي أيام الآحاد»). وتحول اسمه من مومو إلى محمد. لا أعرف لماذا أصر المترجم على بقاء لقب «مسيو» ملتصقا بالعجوز «إبراهيم»، وكان الأولى أن تشمل الترجمة كل مفردات الرواية، فقد ظل التصاق مسيو باسم «إبراهيم» غير مناسب على ما أرى، وكان بامكان المترجم أن يسميه «السيد إبراهيم» بدل «مسيو إبراهيم» ليكون الاسم أكثر انسجاما مع المسمى.