سالم اليامي

ثورة الدولة في ليبيا

ينظر الليبيون بكثير من الفخر للدور الذي لعبته مدينة بنغازي في ثورة السابع عشر من فبراير ٢٠١١م ويبدو أن هذه المدينة من المدن التي تصنع الأحداث في تاريخ الشعوب، والأمم، أقول ذلك على إثر الأحداث التي شهدتها ليبيا وتحديداً مدينة بنغازي يوم الجمعة الماضي ٢١سبتمبر، حيث جابت المظاهرات أرجاء المدينة، وتركزت مطالب المتظاهرين بدعوة السلطة السياسية الحالية في البلاد «المؤتمر الوطني العام» بإصدار تشريع يُجرِّم التشكيلات المسلحة، ويُقننُ حمل السلاح واستخدامه في البلاد.

 المتتبع لأحداث ما سُمي بجمعة إنقاذ بنغازي، يستشف تطابق رؤية الناس والحكومة على ضرورة تصحيح مسار الحياة والسياسة والأمن في ليبيا، ووجود النية لدعم مؤسسات الدولة الرسمية في مواجهة قوى السلاح، والمصالح والعنف. حيثُ جاء التحرك الرسمي الحكومي متناغماً مع توجهات الناس في بنغازي، فقد أكد رئيس المؤتمر الوطني الليبي ومن مدينة بنغازي، أنه تقرر حَل جميع الكتائب والمعسكرات التي لا تخضع لسلطة الدولة، مع تخويل سلطات الجيش والأركان التعامل مع كل من يحول دون تعزيز دور مؤسسات الدولة.

على الرغم انه لم يمض وقت طويل على حادثة الاعتداء على مقر القنصلية الأمريكية في بنغازي، ومقتل السفير الأمريكي فيها، وثلاثة من مساعديه، إلا أنه يمكننا القول اليوم ان الحكومة الليبية اجتازت مأزق «11 سبتمبر بنغازي» ، ورغم حداثة تجربة هذه الحكومة، وطبيعة البنية السياسية الحديثة في ليبيا، فهي بكل تأكيد أمام ثورة ليست بالهينة، من اجل بناء الدولة، وتدعيم مؤسساتها.الوضع العام في ليبيا، وفي مدينة بنغازي لا يخفى على أحد، وتصريحات المسؤولين الليبيين في المؤتمر الوطني، والجيش، ووزارة الداخلية، وفي قيادات الكتائب المسلحة، كلها تؤكد وجود انفلات في الأمن، وفي تقدير أغلب المراقبين أنَّ مثل هذا التحرك الشعبي، وما صاحبه من قرارات للمؤتمر الوطني، تُعد خطوات هامة للحد من تدهور الأوضاع. لكن ما يثير القلق، أن هذه النوايا وهذه التحركات قد تصطدم بحقائق على ارض الواقع أفرزتها ظروف الحرب، فلا يمكن التنبؤ بمواقف كل «الميليشيات والتشكيلات المسلحة» التي تنتشر في عرض البلاد وطولها، وسبق أن وصفت التصريحات الحكومية بعض هذه التشكيلات بالمتمردة، والخارجة على القانون، ومجرد عدم خضوعها لاشراف ورقابة وزارتي الدفاع، والداخلية يعني مواجهة بين قوات الدولة الجديدة، وبين هذه المجاميع المسلحة، وهذا كفيل بتوليد عنف وصراع البلاد في غنى عنه، وتزيد احتمالات مثل هذه التقديرات غير المتفائلة إذا ما عرفنا أن عدد التشكيلات العسكرية المسلحة التي احصتها إحدى الهيئات الليبية تقدر بحوالي 1700 كتيبة وتشكيل مسلح، وانَّ في الزنتان، وهي منطقة صغيرة نسبياً لا تبعد كثيراَ عن العاصمة طرابلس 240 كتيبة. ويزيد من خطورة وجود هذه التكتلات العسكرية انتفاء الطابع الوطني عن البعض منها بحسب تصريحات الليبيين أنفسهم، فمنها ما يقوم على أسس قبلية ومناطقية، ولا يستبعد البعض أن هناك تشكيلات إجرامية على حد وصف بعض وسائل الاعلام المحلية. هذه التشكيلات العسكرية كادت تضع السلطات الليبية الجديدة في مأزق دولي في علاقتها بالولايات المتحدة الأمريكية، وعلى الرغم انه لم يمض وقت طويل على حادثة الاعتداء على مقر القنصلية الأمريكية في بنغازي، ومقتل السفير الأمريكي فيها، وثلاثة من مساعديه، إلا أنه يمكننا القول اليوم ان الحكومة الليبية اجتازت مأزق «11 سبتمبر بنغازي» ، ورغم حداثة تجربة هذه الحكومة، وطبيعة البنية السياسية الحديثة في ليبيا، فهي بكل تأكيد أمام ثورة ليست بالهينة، من اجل بناء الدولة، وتدعيم مؤسساتها.