خواطر الشهري


التحديثات أو التطورات المجتمعية هي ما يلفت الأجيال مع تقدّمها الزمني؛ فالضروري سابقًا قد يصبح اليوم عبئًا، دون أن يتذكر أحد سبب وجوده من الأساس. فالعادة الاجتماعية، مثلًا، قد تبدأ كتعبير عن الاحترام، ثم تتحول مع مرور الوقت إلى التزام يؤديه الناس دون أن يتساءلوا عن معناه أو غايته. وحتى معايير الجمال، كمثال آخر، تتغير بين فترة وأخرى؛ فما كان يُعد مثاليًا بالأمس قد يصبح اليوم موضع سخرية، ثم يعود بعد سنوات ليُقدَّم من جديد بوصفه المقياس الحديث. ومع كل هذه الأمثلة، يبقى السؤال: من قال إن هذا هو الطبيعي؟
نحن نستخدم كلمة «طبيعي» بثقة كبيرة، وكأنها تصف حقيقة ثابتة، بينما هي في كثير من الأحيان وصف لما اعتدنا عليه فقط. فما يبدو طبيعيًا لجيل، قد يبدو غريبًا لجيل آخر، وما كانت بعض المنشآت تعتبره قبل عشرين عامًا دليلًا على الانضباط، قد تراه اليوم إجراءً يمكن مراجعته وتطويره بما يتناسب مع طبيعة العمل ومتطلباته.
فلنأخذ بيئة العمل مثالًا على الفكرة؛ فهناك من يقيس الالتزام بالحضور والانصراف، بينما يركز آخرون على جودة النتائج والإنجاز. وكل طرف ينطلق غالبًا من تجربة مختلفة، لا من قاعدة واحدة ثابتة.
المشكلة ليست في وجود العادات أو القواعد التي تنظم حياتنا، فهي ضرورة لا غنى عنها، بل تبدأ عندما تتحول إلى مسلّمات لا تقبل المراجعة. فقد تستمر بعض الإجراءات حتى بعد تغير الظروف التي أوجدتها، وتبقى بعض العادات لأن الناس اعتادوها، لا لأنها ما زالت تحقق الغرض نفسه. والأسوأ أحيانًا أن من يطرح سؤال «لماذا؟» قد يُفهم خطأً على أنه يرفض الاندماج، بينما هو في الحقيقة يحاول أن يفهم.
وهنا يجب التفريق بين القيم والعادات؛ فالصدق، والأمانة، والعدل، واحترام الآخرين قيم لا تتغير بتغير الأزمنة، أما أساليب التعبير عنها، وأنظمة العمل المرتبطة بها، والعادات الاجتماعية التي نشأت حولها، فهي جميعًا قابلة للمراجعة والتطوير كلما تغيرت الظروف.
كثير من الخلافات بين الأجيال، وحتى داخل المنشآت، لا تنشأ لأن أحد الأطراف يرفض الحق، بل لأن كل طرف يظن أن ما اعتاده هو الصحيح. فنحن لا ندافع دائمًا عن الحقيقة بقدر ما ندافع عن النسخة التي تكيّفنا معها، ورأينا من خلالها العالم.
@2khwater