محمد خواجي


مساء يوم العيد كنت واقفًا عند محل قهوة، والزحمة كانت كبيرة. الناس كلها مصطفة أمام الكاشير، وكل واحد مستعجل أكثر من الثاني. أمامي رجل واضح أنه متوتر. وعندما وصل دوره قال له الموظف بكل برود: «إما تنتظر عشرين دقيقة.. أو نلغي طلبك». سكت قليلًا، والناس الذين خلفه بدأت تظهر عليهم ملامح عدم الصبر والعصبية، وكان الخياران واضحين جدًا ولا يحتاجان إلى تفكير: إما أن ينتظر، أو يمشي. لكن الرجل فجأة ابتسم وقال: «طيب جهز لي شيئًا أبسط لا يحتاج وقتًا طويلًا». وخلال دقائق قليلة أخذ طلبه وغادر. الموقف بسيط جدًا، لكن لسبب ما علق في ذهني، وكنت أراقب المشهد بهدوء وترقب من بدايته إلى نهايته. لماذا كلنا اقتنعنا أن أمامه خيارين فقط؟ ولماذا عقولنا تمشي مباشرة داخل المسار الذي يُرسم لها؟ بعد هذا الموقف فكرت كثيرًا، ولاحظت أن الحياة كلها تقريبًا مبنية على الفكرة نفسها.
دائمًا يضعونك بين خيارين لا ثالث لهما: إما أن تنجح أو تفشل، إما أن تبقى أو ترحل، إما أن ترد أو تصمت، إما أن تكون معهم أو ضدهم. وكأن الحياة سؤال اختياري، وعليك تظليل إحدى الدائرتين والمضي. المشكلة ليست هنا، بل في أننا تعودنا على هذا الأسلوب لدرجة أننا توقفنا عن سؤال أنفسنا: لماذا هذه هي الخيارات الوحيدة أصلًا؟ أحيانًا لا يتحكم الناس فيك بالقوة، بل بطريقة عرض الخيارات المتاحة. عندما يقول لك أحدهم: «إما أن تفعل كذا أو يضيع مستقبلك»، فهو غالبًا أقنعك أن الطريق محصور قبل أن تبدأ بالتفكير أصلًا. ومع الوقت تصبح أنت أيضًا تفعل ذلك بنفسك، فتحاصر نفسك بين قرارين، وتتعب نفسيًا بينهما، مع أن الحل الحقيقي قد يكون خارج هذين الخيارين.
أعرف أشخاصًا كانوا يعتقدون أن الوظيفة تعني إما راتبًا ضعيفًا مع راحة، أو راتبًا ممتازًا مع حياة منهكة، إلى أن قرر أحدهم أن يصنع طريقًا ثالثًا: مشروعًا جانبيًا، أو عملًا مختلفًا، أو أسلوب حياة جديدًا. ليس لأنه أذكى من الجميع، بل لأنه فقط سأل السؤال الذي لم يسأله غيره: من قال إن هذه الخيارات نهائية؟ وحتى في العلاقات يختصر الناس كل شيء بطريقة غريبة: إما أن تتمسك أو تقطع العلاقة، إما أن تواجه بعصبية أو تكتم. مع أن الخيار الثالث أحيانًا يكون هو المنقذ: أن تفهم، أن تهدأ، أن تبتعد قليلًا، أن تعيد ترتيب مشاعرك، أو حتى أن تتقبل أن بعض الأمور لا تحتاج انتصارًا. لكن البشر يحبون الاختصار، لأن الخيارين يعطيان شعورًا بالوضوح حتى لو كانا خطأ، بينما المساحات الرمادية تحتاج إلى تفكير وشجاعة وصبر.
لهذا يعيش كثير من الناس أعمارهم داخل خيارات صنعها غيرهم. والغريب أن أغلب التغييرات العظيمة في العالم بدأت من شخص رفض الخيارين. الناس قالوا يومًا: إما أن تسير الأمور كما هي أو تنهار الحياة، ثم جاء شخص وفكر بطريقة مختلفة تمامًا. كل اختراع، وكل فكرة جديدة، وكل تغيير حقيقي، كان يومًا ما «خيارًا ثالثًا». وأحيانًا لا يكون الخيار الثالث حلًا عبقريًا، بل مجرد زاوية مختلفة للنظر: أن تؤجل القرار بدل التسرع، أن تعتذر بدل المكابرة، أن تترك النقاش بدل الفوز فيه، أو أن تغير القواعد بدل الاستمرار في لعبة خاسرة. ليست القوة دائمًا في أن تختار بسرعة، بل أحيانًا تكون القوة الحقيقية في أن تنتبه أن السؤال نفسه ناقص من البداية. وأعتقد أن أخطر شيء قد يحدث للإنسان ليس أن يختار الخيار الخطأ، بل أن يعيش عمره كاملًا دون أن يدرك أصلًا أن هناك خيارًا ثالثًا.
ومضة:
الخيار الثالث قد يكون هو الأصح على الأغلب.
moha.077.kh@gmail.com