ليست قصة إيمان سوى صورة من صور الحياة التي يعيشها كثير من الناس؛ فالدنيا لا تمضي على وتيرة واحدة، ولا تخلو من الابتلاءات مهما اختلفت أشكالها. فمن الناس من يُبتلى في صحته، ومنهم من يُبتلى في رزقه، أو في أهله، أو في فقد عزيز، أو بضيقٍ لا يعلمه إلا الله. وتلك سنة الحياة التي يمضي عليها البشر جميعًا، فلا أحد يعيشها بلا امتحان، ولا يسير فيها بلا تحديات.
غير أن الفارق الحقيقي لا يكون في حجم الابتلاء، وإنما في طريقة التعامل معه. فالمؤمن يدرك أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن كل أمر يجري في هذه الحياة إنما يقع بعلم الله وحكمته، فيرضى بقضائه، ويصبر على قدره، ويحسن الظن بربه، ويوقن أن بعد العسر يسرًا، وأن مع كل ضيق فرجًا، وأن الله لا يضيع أجر الصابرين.
ولعل أعظم ما يمنح الإنسان القوة في أوقات المحن هو هذا الإيمان العميق بالقضاء والقدر؛ فهو الذي يبدد اليأس، ويخفف وطأة الألم، ويزرع في القلب سكينة لا تصنعها الظروف، بل يصنعها اليقين بالله. فالصبر ليس ضعفًا، والرضا ليس استسلامًا، وإنما هما قوة داخلية تمنح الإنسان القدرة على مواصلة الطريق مهما اشتدت عليه الأيام.
وكم من إنسان أثقله المرض، أو أنهكته الظروف، أو ضاقت به السبل، لكنه بقي ثابتًا، باسطًا الأمل في وجه الحياة، مؤمنًا بأن رحمة الله أقرب إليه من كل ما يخشاه. وهؤلاء هم الذين يتركون في نفوس من حولهم أثرًا لا تصنعه الكلمات، لأنهم يعلمون الناس بصمتهم قبل حديثهم أن الإيمان الحقيقي يظهر عند الشدائد، وأن الصبر خلق المؤمن، وزاده في مواجهة تقلبات الحياة.
لقد كانت إيمان مثالًا لهذا المعنى الجميل. فعلى الرغم من قسوة المرض، وما تركه في جسدها من ضعف، بقيت تستقبل من حولها بابتسامتها الهادئة، وتخفي آلامها قدر استطاعتها حتى لا تزيد من حزن أسرتها. وكانت تجد في رعاية والديها ووقوفهما معها سكينةً خففت عنها كثيرًا من مشقة الأيام، فكانا نعم السند، وأروع مثال لمعنى الرحمة والوفاء.
ومع اشتداد المرض، أخذ الجسد يضعف شيئًا فشيئًا، حتى جاء اليوم الذي انتقلت فيه إلى رحمة الله، بعد أن تركت في قلوب كل من عرفها ذكرى طيبة، وصورة ناصعة للصبر والرضا وحسن الخلق. نسأل الله أن يتغمدها بواسع رحمته، وأن يجعل ما أصابها رفعةً لها، وأن يجزي والديها وأهلها خير الجزاء على ما قدموه من رعاية ومحبة ووفاء.
رحلت إيمان، لكن بقيت قصتها تذكرنا بأن الحياة لا تُقاس بطول الأعمار، وإنما بما نغرسه في قلوب الآخرين من محبة، وبما نتركه خلفنا من أثر طيب. وبقيت شاهدة على أن الإيمان بالقضاء والقدر ليس كلمات تُقال، بل سلوك يثبت عند الابتلاء، وأن الصبر ليس مجرد احتمال للألم، بل عبادة عظيمة تملأ القلب طمأنينة، وتمنح صاحبه قوة تعينه على مواصلة الطريق حتى يلقى ربه وهو راضٍ عنه، راجين من الله أن يشمله بواسع رحمته وفضله.
وقفة :
وداعية يا آخر ليلةٍ تجمعنا
وداعية أعز الناس يودعنا



