وفي سيرة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم حدثٌ عظيم كان فيه الشيطان حاضرًا بنفسه في اجتمع كبار مكة في دار الندوة لتدارس خطة حاسمة تقضي على هذا الدين العظيم.
قرر إبليس الحضور معهم في هيئة شيخ جليل، فوقف على الباب، فقالوا: من الشيخ؟
قال: شيخ من أهل نجد، سمع بالذي اجتمعتم له، فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى ألا يعدمكم منه رأيًا ونصحًا.
قالوا: أجل، فادخل. فدخل معهم.
وبعد أن اكتمل الاجتماع، بدأ العصف الذهني، فقال أبو الأسود: نخرجه من بين أظهرنا، وننفيه من بلادنا.
قال الشيخ: لا والله، ما هذا لكم برأي. ألم تروا حسن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به؟ والله لو فعلتم ذلك، ما أمنتم أن يحل على حي من العرب، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم في بلادكم، ثم يفعل بكم ما أراد. دبِّروا فيه رأيًا غير هذا.
قال أبو البختري: احبسوه في الحديد، وأغلقوا عليه بابًا، ثم تربصوا به ما أصاب أمثاله من الشعراء الذين كانوا قبله، زهيرًا والنابغة، ومن مضى منهم، من الموت.
قال الشيخ: لا والله، ما هذا لكم برأي. والله لئن حبستموه - كما تقولون - ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشك أن يثبوا عليكم، فينزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم. ما هذا لكم برأي، فانظروا في غيره.
هنا تقدم كبير المجرمين أبو جهل بن هشام باقتراح، حيث قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتىً شابًا جلدًا، نسيبًا وسيطًا فينا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفًا صارمًا، ثم يعمدوا إليه، فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه، فنستريح منه. فإنهم إذا فعلوا ذلك، تفرق دمه في القبائل جميعًا.
قال الشيخ: القول ما قال الرجل، هذا هو الرأي الذي لا رأي غيره. ووافقوا على الاقتراح بحضور الشيطان.
الشيطان اليوم لا يحضر دار الندوة، لكنه قد يحضر مجالس الغيبة، ومشاريع الظلم، والخلافات الأسرية، وصفقات الغش، ووسائل التواصل التي تبث الانحراف. إنه لا يزال يؤدي المهمة نفسها، لكن بأدوات مختلفة .

