مقال ( ص 8 ) يسار اسفل - الثلاثاء 20263-10
قد يتردد السؤال عن معنى الحياة عبر كل مراحل العمر، من طفولة بريئة إلى شيخوخة متأملة، لكنه يشتد وقعًا في مرحلة المراهقة، حين ينطلق الإنسان ليثبت ذاته قبل أن يعرف سببًا لذلك. لماذا أعيش؟ كأن الحياة تسحبنا فجأة إلى اتجاه مجهول، فننظر أولًا إلى الطريق قبل أن نسأل عن اليد التي تدفعنا. وهكذا، يأتي سؤال: «كيف تُعاش الحياة؟» قبل سؤال «لماذا نعيش؟»، فالآخر ينشأ من التمرد: لماذا أفعل؟ لماذا أتعلم؟ لماذا أعمل؟ لماذا أتزوج؟ أما الأول، فهو صدى التأمل والهدوء: كيف أفعل؟ كيف أتعلم؟ كيف أتزوج؟
ومن الشائع أن يتوقف الكثيرون عند السؤال الثاني، متجاوزين سؤال «لماذا»، مكتفين بالعيش وفق ما هو متاح. لكن هل يمكن للعاقل أن يتجنب السؤال عن «لماذا» دون أن يتوقف عن التفكير أو يتعرض لتآكل عقلي، حتى لو كانت الحياة تمنحه سعادة متاحة؟ وهل يمكنه أن يستمر في التأمل دون أن يقوده ذلك إلى كآبة؟ هنا تكمن معادلة الحياة الصعبة: فمن لا يتقن التعامل مع سؤال المعنى قد يعيش بلاهة، أو يغرق في اكتئاب، أما من يتقن التعامل معه، فإنه يفتح لنفسه أبواب الحكمة والإبداع.
إن معنى الحياة، كما أرى، جزء من الحاجات الروحية للإنسان، كالشعور بالانتماء، والصداقة، والحب، لكنه يختلف عنها بكونه يطالب بمراعاة الحس العقلاني الفطري، وهو ما يجعل تحقيقه معادلة دقيقة تتطلب صبرًا وتروّيًا. الحضارة المعاصرة، بكل جرأتها، تركت السؤال مفتوحًا أمام العقل البشري، فطرحت السؤال بصدق، ومنحت كل إنسان فرصة لاستكشاف النفس وفهمها بعيدًا عن وصاية تقليدية.
ومع ذلك، يفضل كثيرون الأجوبة الجاهزة، تلك التي تسهل عليهم مجرى حياتهم اليومية، غير أن هذا التجاهل يحدّ من نموهم ويؤخر بلوغهم مرحلة الرشد. لذلك، سعت الحضارة الحديثة إلى الجمع بين الشك المتجدد، الذي يوقظ العقل، والعمل الجاد على تحسين ظروف الحياة، فالشّك هنا ليس عائقًا، بل نبراس الحياة الذكية، التي لا تكتفي بالماء والهواء والغذاء، بل تسعى دومًا لتجديد إجاباتها عن سؤال المعنى، وحمل هذا السؤال بصبر وبصيرة، حتى تتحول إلى حياة راشدة وعاقلة.
أما من يهرب من هذا السؤال، أو يحاول كتمه بالأوهام والمهدئات، فمصيره حياة شاحبة وإحباط يثقل الروح، أما من يسعى للتعايش معه بإرادة واعية وكفاءة مدروسة، فإنه يجد في ذلك قوة وإبداعًا، وهكذا يصبح السؤال صديقًا للحياة، لا عائقًا، وخيارًا أنيقًا للحياة الرشيدة.
lama@odec-sa.com