قلت: أشياء كثيرة، ولكن كلما جلست أكتب على لوحة المفاتيح، أتذكر كيف كنا نكتب في الماضي على الورق، ونفخر بأن لدينا أقلامًا أنيقة تكتب بهدوء وسلاسة، أقرب إلى الهمس. أما الآن، فمع كل كلمة يخرج صوت لا أستطيع أن أصفه، وكأن الحروف أصبحت تُولد من ضجيج، بعد أن كانت تنساب في هدوء.
قال: .. وهل تشتاق إلى تلك الأيام؟
قلت: أشتاق إلى بساطتها أكثر من تفاصيلها. كانت الرسالة تُكتب على مهل، ويُعاد النظر في كل كلمة قبل أن تغادر الورقة. وكان للقلم رائحة، وللحبر أثر، وللخط شخصية تشبه صاحبها. أما اليوم، فأصبحت الكلمات أسرع وصولًا، لكنها في أحيان كثيرة أقل دفئًا.
قال: .. وهل ترى أن التقنية أخذت منا شيئًا؟
قلت: التقنية منحتنا الكثير، واختصرت الوقت والمسافات، لكنها لا تستطيع أن تعيد إلينا ذلك الإحساس الجميل عندما كنا نختار ورقة مناسبة، وننتقي قلمًا نحبه، ثم نكتب وكأننا نودع شيئًا من أرواحنا بين السطور. كانت الكتابة فعل محبة، لا مجرد ضغطات متتابعة على لوحة مفاتيح.
قال: .. وهل ما زال للقلم مكان في حياتك؟
قلت: نعم، فالقلم لا يزال يحتفظ بمكانته، حتى وإن ازدحمت حياتنا بالشاشات. أحيانًا أمسك به لا لأكتب فقط، بل لأستعيد زمنًا كان أكثر هدوءًا، وكانت فيه التفاصيل الصغيرة تصنع الفرح. ربما تغيرت الوسائل، لكن الذكريات الجميلة تبقى عصية على النسيان، وتظل قادرة على أن تبتسم لنا كلما مررنا بها، ولو للحظات قصيرة.
[email protected]


