قد يظن القارئ أن الحديث سيكون عن «أبشر»، المنصة التي تفوق كل حديث، والتي تجاوزت كثيرًا من المنصات العالمية.
أبشر التي تُدار من وزارة الداخلية ولا يمكن اختزال أثرها في مقال، ولا الإحاطة بدورها في مساحة واحدة من الكتابة.
أما أبشر خاصتي، فهي الكلمة التي تتسلل إلى التحايا العابرة والمواقف اليومية، تحمل رضا خفيًا، وسماحة لا تُفرض، وفرحًا صغيرًا يتكوّن بهدوء. في كل مرة تُنطق، يحس الإنسان بطمأنينة مفاجئة، وبشيء من الامتنان العميق، كأن الكلمة تعرف طريقها إلى القلوب دون استئذان.
الكلمة، كما قالت جوليا بينيلوب، هي قوة فعلية:
«اللغة هي قوة، حرفيًا أكثر مما يظن الكثيرون. حين نتكلم، نمارس قوة اللغة في تحويل الواقع.»
وهنا تتجلى أبشر بوصفها أكثر من مجرد لفظ؛ إنها فعل يمتد من الداخل إلى الخارج، يغيّر المزاج، يعيد ترتيب المشاعر، ويزرع سلامًا صغيرًا يسبق الكلام قبل أن يليه.
في تفاصيل الحياة اليومية، بين المصافحة العابرة والكلمة الطيبة، تصبح أبشر لحظة صافية، طقسًا صغيرًا من الرضا، ومفتاحًا للانفتاح على الآخر. حين تُقال، تولد مساحة شفافة بين المتحدث والمستمع؛ مساحة يجد فيها الفرح طريقه، وتستقر السماحة، ويتنفس الشكر دون إعلان.
أبشر هنا ليست مجرد كلمة؛ إنها جسر يربط بين النفوس، ونافذة صغيرة تُطل على الفرح. كل من يسمعها يعود إلى اللحظة الحاضرة، يشعر بالانتماء، ويستشعر جمال الحياة في بساطة لفظة واحدة. تذكير هادئ بأن الرضا والبهجة لا يحتاجان إلى صخب، وأن الكلمة الواحدة، حين تُقال بصدق، تصنع أثرًا يتجاوز الكلمات كلها، وتظل في الذاكرة كمعزوفة قصيرة، لكنها صادقة، تحمل الحياة في كل خيط من صوتها.
وفي النهاية، تبقى «أبشر» أكثر من كلمة، وأكثر من وعد، وأكثر من لحظة، اعتراف ضمني بأنني سأكون عند حسن ظنك، وتأسرني في كل مرة كما يأسرني هذا البيت، وكأن كلمة «أبشر» الموجودة فيه تحضر كل مرة وكأنها المرة الأولى:
«أبشر من عيوني الثنتين
مثلك تلبّى مطالبيه».
raedaalsaba@gmail.com