أ.د. محمد شايع الشايع


لعقود طويلة، ارتبط الشتاء في ذاكرة الشعب السعودي برائحة حطب «السمر» و»الغضا» و»الأرطى». لم يكن إشعال النار مجرد وسيلة للتدفئة، بل هو رمز للكرم والضيافة، ومجلس للأنس تُسرد فيه القصص وتُلقى القصائد، وتُدار فيه فناجين القهوة المهيلة، حيث يقول الشاعر:
ياما حلا عقب المطر شبت النار
في روضة فيها شذى الورد فاحِ
مع العلم بأن الجميع مدرك بأنه في قلب البيئات الجافة وشبه الجافة، لا يعد الغطاء النباتي مجرد منظر جمالي، بل هو خط الدفاع الأول للأرض ضد زحف الصحراء وتدهور التربة. ومع ذلك، يواجه هذا الحزام الأخضر تهديداً وجودياً مزدوجاً نابعاً من سلوكيات بشرية جائرة، تتمثل بوضوح في الاحتطاب والرعي الجائر ورغم الجهود الحثيثة وسن الأنظمة، لا يزال هذا التحدي يتفاقم، منذراً بكوارث بيئية واقتصادية إذا لم تتم مواجهته بحزم ووعي.
وخلال مسيرة سنوات التنمية مارس السلوك الفردي ازدواجية في الحاجة للاحتطاب من حاجة فردية إلى تجارة مدمرة حيث تحول الاحتطاب في العقود الأخيرة من مجرد جمع للحطب، لسد حاجة فردية للوقود أو البناء، إلى نشاط تجاري واسع وغير منظم، أدى هذا الاستنزاف إلى استهداف أنواع أصيلة من الأشجار المحلية مثل «السمر، الطلح، والسلم، والعرعر، والغضى، والارطى»، التي لم تعد قادرة على تجديد نفسها أمام فؤوس ومناشير المحتطبين، النتيجة المباشرة هي اختلال التوازن البيئي، وارتفاع درجات الحرارة، وانخفاض قدرة البيئة على امتصاص الكربون مما يخلق بيئة غير صحية وملوثة.في المقام الثاني جاء الرعي الجائر ليخلق الوجه الآخر للأزمة حيث تُترك المواشي لتستنزف الغطاء النباتي دون فترات راحة تسمح للأرض بالتعافي، خطورة هذا السلوك تكمن في القضاء على النباتات قبل موسم إثمارها ونثر بذورها، مما يقطع دورة الحياة الطبيعية. وحينما تتعرى التربة من غطائها، تصبح فريسة سهلة للرياح والسيول، مما يؤدي إلى انجرافها وتصحرها المتسارع.
هذان العاملان يجعلان الضرر لا يتوقف عند حدود البيئة، بل يضرب عمق الأمن الغذائي والمائي، فالنباتات البرية في البيئات الصحراوية تعمل كمثبتات للرمال ومنقيات للهواء وحافظة لرطوبة التربة، ومع تدهورها، تتضاعف التكاليف الاقتصادية لمعالجة الآثار البيئية.
وللقضاء على هاتين الظاهرتين واستعادة عافية الغطاء النباتي، عملت الجهات التشريعية وصانعة القرار على تبني استراتيجية شاملة تتضمن اصدار الأنظمة والتشريعات البيئية مع العمل على تفعيل تطبيق نظام المناطق المحمية بصرامة، والعمل على استخدام التقنية والرصد التقني للأنشطة على أرض الواقع، وتسجيل المخالفات البيئية، وربط ممارسة الرعي بتراخيص تحدد أعداد الماشية المسموح بها والمناطق الجغرافية وفقاً للطاقة الاستيعابية للمرعى.
وللحلول العملية على أرض الواقع، من المهم تغيير سلوكنا في عملية التدفئة وتعويد النفس البشرية على استخدام وسائل التدفئة الحديثة الأقل ضرر للبيئة، مع محاكاة لاشعال النار بأفكار تؤدي نفس الغرض، مع توفير بدائل للحطب، تشجيع ودعم استيراد الحطب والفحم النباتي من الخارج، وتسهيل وصوله للمستهلكين بأسعار مناسبة للحد من الطلب على الحطب المحلي. وبالنسبة لتربية الماشية علينا تغيير طرق التربية وتتبع الوسائل العلمية في التغذية، مع الاعتماد على تصنيع الأعلاف من بعض المنتجات المحلية كبقايا الأشجار من النخيل، والفواكه، ودعم الأعلاف المستوردة لتقليل اعتماد مربي الماشية على المراعي الطبيعية. مع العمل على زراعة أشجار الحطب كالقرض والسمر وغيرها بشكل تجاري، والاعتماد على توفير الري من المياه المعالجة ومياه الصرف الزراعي.ولتغيير السلوك والرقي بحضارة المجتمع، وزيادة وتحسين جودة الحياة، من خلال تجاوز السلوك السلبي عن طريق تفعيل التوعية البيئية، عبر وسائل الاعلام، ومنابر المساجد، مع رفع درجة الشجيع والحلول لصناع المحتوى البيئي عن طريق تفعيل تخصصات التعليم البيئي، ودمج مفاهيم حماية البيئة بمكوناتها الفطرية والطبيعية، وحماية الغطاء النباتي في المناهج الدراسية لتربية جيل يعي قيمة البيئة والشجرة، وتفعيل دور مربي الماشية، وأهالي القرى والهجر في إدارة وانشاء جمعيات تعي مشاكلهم وتخلق حلول لقضاياهم ورفع مستوى اقتصادياتهم والاعتماد على ذاتهم دون الاضرار بالبيئة.
أستاذ التوعية البيئية والدراسات الاجتماعية بجامعة الملك سعود
في العقود الأخيرة من مجرد جمع للحطب، لسد حاجة فردية للوقود أو البناء، إلى نشاط تجاري واسع وغير منظم
mshayaa@gmail.com