استكمالاً لما طُرِح في المقال السابق حول إشكاليات الحوار، وعن أهمية تعزيز ثقافة الحوار في حال النقاش، مع إثراء عملية التواصل التي يجب أن تقوم على الاحترام، والتفاهم، والبحث عن الحقيقة والمصلحة المتبادلة، مع مراعاة تفاصيل السياقات الثقافية والتعليمية والاجتماعية وتجارب الآخرين، لحل أي خلافات قد ينشئ، وأن هذه الحوارات يجب أن تقوم على أدب الاختلاف لا الخلاف. إذ إن هناك خلطًا بين المفهومين لدى الكثير في يومنا هذا، حيث لا يتم التفريق بين الاختلاف الذي هو حدث طبيعي، بما فيه من نمو معرفي وحراك ثقافي، ليؤكد احترام وجهات النظر بين المتحاورين مع تعدد شرائحهم وتوجهاتهم، وذلك بعكس الخلاف الذي هو يعبّر عن العداء والقطيعة، والفرقة.
إن ما نراه من سلوك متنام في مجتمعنا، انه يبدأ بالحوار، ثم ينتقل إلى جدل مقيت يتعاظم ويكبر، وكل طرف يريد أن يؤكد وجهة نظره، بل ويفرضها على الآخر، ذلك قائم على فكرة «إن لم تكن معي فأنت ضدي». دون إصغاء كاف ولا احترام لرأي الآخر في حال الخلاف.
لو حدث جدال أو خصام بين زميلين على سبيل المثال، سواء كانا يعملون معا أو جارين في المنزل أو شخصين قريبين لبعضهم، نجد أن ارتقاء الحوار والنقاش بينهم يجب أن يكون هو المقدم لحل النزاع، وليكن بنوايا طيبة ومقاصد خيرة، مدركين أهمية التعايش فيما بينهم، مهما اختلفا، ومهما تباينت وجهات نظرهم، بل تلك هي ظاهرة بنائه وطبيعية وصحية، والنظر إليها بأنها مثمرة، ومثراه، وفتحا لآفاق ومنافع حسنه قد تحدث بينهم.
هنا نجد أن التسامح وقبول حق الآخرين في التعبير عن آرائهم إدراك مهم، حتى لو كان مخالفاً عن رأيك، وأن نقر بأن هناك أكثر من طريقة للتفكير وأكثر من طريقه للحل، وأن نظرتنا إلى الحقيقة في بعض الأحيان يجب أن لا تكون نسبية، فلعل هنا البحث عن القواسم المشتركة، مع التركيز على نقاط الاتفاق بدلاً من تضخيم نقاط الاختلاف هو السبيل الأمثل، في السعي لتحقيق المنافع المرجوة، بدلاً من التركيز على من يفوز، أو من يفرض، أو يقنع، بوجهة نظره دون الآخر.
خلاصة القول، دع الاختلاف واحترم الآخر، متقبلاً رأيه، بكل تقدير، بكل تسامح وهدوء وسعة صدر، وتفهم لما ينطق به وما يطرح، بكل أدب ورقي، وأن تتحاور في نقاط الاتفاق لا في نقاط الخلاف.
akuwaiti@iau.edu.sa