العنوان جزء من أهزوجة أو ترنّم طرب تقول: نطحن عشانا سلّم الله رجانا. تتردد أثناء اجتماع أهل البيت من النسوة لطحن القمح بواسطة الرحا الحجرية في الصباح تحضيرًا لوجبة العشاء.
الممارسة اليومية تلك توحي بأن المنزل يخلو من الطعام، في كل صباح، وأن على أهل الدار إعداد وجبة اليوم (العشاء) بسلسلتها الطويلة والمتعددة من طحن القمح وإشعال نار الحطب وتسخين الماء وتقطيع القرع أو الباذنجان، ثم عجن الدقيق وتخميره قليلًا، ثم تهيئته على شكل أقراص (مطازيز، ورصّه بمفرش الخوص ليجف، ثم نقله إلى القدر ووضعه في الماء المغليّ، وتركه لينضج بعد إبعاد اللهب عنه قليلا.
هاجسٌ يقول لي أيّ حمية طبيعية هذه، وأي برنامج رائع هذا الذي سلكهُ الآباء قرابة ما قبل الخمسينيات من القرن الميلادي الماضي.
حمية يُركّز عليها أهل الطب والتغذية الآن، ويستحثون مرضاهم لاتباعها، ألا وهي تجنّب الإكثار من النشويات والدقيق الأبيض. وجبة واحدة من الدقيق الأبيض كانت أكثر من كافية لأهل منازل بلادنا في ذلك الزمن (العشاء).
دخول الخبز كمادة إلزامية مع الفطور والغداء والعشاء جاءتنا في بدايات الخمسينيات من القرن الميلادي، وجاءنا معها الضغط والسكر والنوبات القلبية والسمنة ومقاومة الأنسولين، كلها بسبب تراكم النشويات
بشكل مسرف. صرنا نلتزم بوجود الخبز (التميز) مع وجبة الإفطار، ونبعث من يُحضره وقت الغداء، ولا ننساه وقت العشاء.
في إقليم نجد لم تكن عادة توريد الخبز من الأفران، من خارج المنزل مألوفة، فأهل المنزل يقومون بإعداد الخبز داخل المنزل، وربما كان ذلك مرة في الأسبوع، وتعارفوا على أن من يشتري الخبز هم من سائقي الشاحنات أو عابري السبيل من غير المقيمين في البلدة، ووُجد في عنيزة امرأة تقوم بتلك الخدمة، ويقصدها العابرون الذين ليس لهم أهل أو منزل، لكن الزبائن – مع ذلك – يتحفظون عند ممارسة عملية الشراء؛ لأن العُرف السائد أن الطعام (الخبز مثلًا) يُمنح للعابر وابن السبيل مجانًا.
الآن بدأت تختفي المخابز أيضًا، وصرنا نتسوّق الخبز من الأسواق الكبرى (السوبر ماركت)، وفيه من الإضافات والمصبّرات والطعم الصناعي؛ ما يجعلنا نتحسّر على الطعام العضوي القديم.
@A_Althukair