عبدالعزيز الذكير

@A_Althukair

مولودا ويافعا، تربيت في حضني فاضلتين كانتا لي بمكان الوالدتين، تمتعتا بشخصيتين قويتين في التربية والفهم.

عمتي وخالتي، وكلتاهما تحملان ذات الاسم «نورة».

لم يدرسا عند كتاتيب لكن العمة كانت تواظب على حضور الحلقة الليلية التي كان يديرها المرحوم الشيخ عبدالرحمن الناصر السعدي في الجامع الكبير بعنيزة لتفسير القرآن الكريم، بطريقة سلسة وبسيطة.

ومع ما سبق ذكره فإن الفاضلتين كانتا مرجعا في القرآن الكريم، تتلوانه من أوله إلى آخره، بإحكام وإتقان وإجادة وتمكن، فبمجرد تمرير الآية تعرفان ما يليها.

ولاحظنا أنهما لا يجيدان القراءة العادية من مصادر أخرى، ويحدث أن تصلهما الرسائل فتجعلانني أقرأها، ويمليان علي الجواب باللهجة الدارجة لأكتبه بالفصحى، وكنت أتساءل كيف تقرآن القرآن بتلك الجودة والدقة والمهارة وهما لم تتعلما حروف الهجاء الأولية.

وأريد اجتهادا أن أنسب قدرة هاتين الفاضلتين وغيرهما الكثيرات في مدن وقرى المملكة العربية قديما إلى ما سماه الباحثون في عصرنا القراءة الصورية، وهو حفظ ذهني لصورة المفردة الواردة في السورة القرآنية وتخزينها في الذاكرة، فقط بالخط القرآني.

أذكر واقعة بعينها: ففي الصف الثالث الابتدائي في المدرسة العزيزية بعنيزة كان مدرس القرآن الكريم يقوم بتجزئة السورة إلى أيام حسب طولها، وكنا في سورة (ق). وتوقفنا عند الآية الكريمة (من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب سليم) وعندما سألتني المرحومة خالتي «وين وقفتوا اليوم؟» أو «وش ماقفكم» قلت لها ذلك فقالت: بكرة تبون تبدون بـ ... (ادخلوها بسلام ذلك يوم الوعيد).

وكثرت الآراء التي اعترفت بوجود هذا الأسلوب من القراءة، وفي العلم الحديث قام علماء النفس والمتخصصون بالتعليم والعاملون على حدة البصر باستخدام المنظار الومضي ليتوصلوا لنتيجة مفادها ذلك، ففي أواخر الخمسينيات من القرن السابق كانت الباحثة إيلين وود التي توصلت لهذا الاختراع تعمل معلمة، وكانت مصرة على فهم سبب تمكن بعض الأشخاص من القراءة.