أحمد الحلبي

كانت عبارة «الذاهب للحج مفقود والعائد منه مولود»، تتردد على الألسن، كلما نوى أشخاص الذهاب لأداء فريضة الحج، فوعورة الطرق، وغياب الأمن، كانا من أسباب ورود هذه العبارة، التي لم تكن وحدها الواصفة للحال، فقد ترجم ذلك شعرا أمير الشعراء أحمد شوقي بقوله:

ضَجَّ الحِجازُ وَضَجَّ البَيتُ وَالحَرَمُ

وَاِستَصرَخَت رَبَّها في مَكَّةَ الأُمَمُ

قَد مَسَّها في حِماكَ الضُرُّ فَاِقضِ لَها

خَليفَةَ اللَهِ أَنتَ السَيِّدُ الحَكَمُ

ولم يكن غياب الأمن منحصرا على الطرق الطويلة الفاصلة بين المدن، فالمسافات القصيرة كانت تعاني نفس المشكلة، وأورد إبراهيم رفعت باشا في كتابه (مرآة الحرمين) ذلك بقوله: «أن من كان يريد زيارة جبل النور، وهو جبل قريب من المسجد الحرام يوجد به غار حراء، أن يحمل معه الماء الكافي، وأن يكون الحجاج على شكل جماعات يحملون السلاح حتى يدافعوا عن أنفسهم من اللصوص الذين يتربصون بهم لسلب أمتعتهم».

وبعد أن تولى الملك عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ مسؤولية خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما، اتجه هدفه نحو بسط الأمن والأمان للحجيج، والذي لمسه الجميع، فترجم ذلك قولا أمير البيان شكيب أرسلان في كتابه (الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج لأقدس مطاف)، بقوله: «عندما تأسست الدولة السعودية ودخل الملك عبدالعزيز (رحمه الله) مكة المكرمة، كان همه الأول بسط الأمن وتأمين طرق الحجاج، فعم الأمن والأمان ربوع المملكة؛ لا سيما منطقة مكة المكرمة والمدينة المنورة».

كما اهتم الملك عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ بأم الطرق اهتم بسلامتها، فأصدر أمره الكريم عام 1346 هـ، بإصلاح الطرق التي يمر بها الحجاج ذهابا وإيابا من جبل عرفة، وجاء الأمر الملكي الصادر عام 1350 هـ، معلنا بداية تخطيط مشعر عرفات، «بواسطة طرق مستقيمة تقسمها إلى مربعات ينزل فيها الحجاج بحسب بلادهم أو مطوفيهم».

وفي مشعر منى نتوقف أمام منطقة الجمرات والذي كان أول أعمال التطوير لها عام 1375 هـ بإزالة الجبل الواقع خلف جمرة العقبة،، وأمام ارتفاع عدد الحجاج ظهرت فكرة إنشاء جسر من دورين يعلو الجمرات الثلاث، وتم بناء جسر أعلى الجمرات الثلاث جرى الانتهاء منه في عام 1395 هــ، وقد شيد بعرض 40 م بمطلعين من الجهتين الشرقية والغربية ومنحدرين بجوار جمرة العقبة من الجسر بعد انتهاء رمي الجمرات، وفي عام 1410 هـ وسع الجسر من 40 م ـ 80 م كما وسع المنحدر من 20 م ـ 40 م.

أما الجسر الحالي الجديد فيبلغ طوله 950 مترا وعرضه 80 مترا، ويتكون من خمسة أدوار، وقادر على تحمل 12 طابقا وخمسة ملايين حاج، ويتضمن ثلاثة أنفاق وأعمالا إنشائية مع إمكانية التطوير المستقبلي.

ويوفر 11 مدخلا للجمرات و12 مخرجا في الاتجاهات الأربعة إضافة إلى تزويده بمهابط لطائرات مروحية لحالات الطوارئ ونظام تبريد متطور يعمل بنظام التكييف الصحراوي يضخ نوعا من الرذاذ على الحجاج والمناطق المحيطة بالجمرات مما يؤدي لخفض درجة الحرارة إلى نحو 29 درجة وأنفاق أرضية.

وتظل خدمات الحجاج والعمل على تطوير مرافقها هدفا ساميا ونبيلا تسعى الدولة أيدها الله لتحقيقه ليؤدي ضيوف الرحمن نسكهم بسلامة وأمان.

@ashalabi1380