عبدالله العولقي

دائما ما تكون نهايات الجوائح والأوبئة على صيغة اجتماعية، بمعنى تقبل البشر لحدوثها وأعراضها بشكل طبيعي، تماما مثلما يتعاملون مع الإنفلونزا الموسمية، وهذا ما تبدو عليه الأوضاع تماما في هذه الأيام تجاه جائحة كورونا، فالسبب الأول الذي شجع الحكومات على التخلي التدريجي عن الإجراءات الاحترازية هو انخفاض معدل الوفيات والحالات الحرجة ووعي الناس لأعراضها ومخاطرها، أما السبب الثاني فهو تلافي المزيد من الخسائر الاقتصادية التي عصفت بميزانيات دول العالم بسبب إجراءات الحظر والأنظمة الاحترازية.

قبل أن تضرب الجائحة اقتصادات العالم، كان الحديث الإعلامي يدور حول مستقبل النيوليبرالية، أو المنهجية التي تدير الاقتصاد في الغرب، لا سيما أنها قد بلغت أوجها الاندفاعي وبدأت أعراضها السلبية تظهر بصورة قد تنذر بانهيار كامل المنظومة الاقتصادية الدولية، فحتى الآن لا تزال النيوليبرالية عاجزة عن تقديم حلول لمشاكل الديون المتفاقمة للبنوك وتزايد معدلات التضخم، بالإضافة إلى عجز الشركات التجارية والعقارية عن الالتزام بسداد الديون إلى غير ذلك من المشاكل الاقتصادية.

في ثمانينيات القرن الماضي، لعبت السياسة دورا كبيرا بالترويج لمنهجية النيوليبرالية في الاقتصاد، لا سيما بعد أن تبنى الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان ورئيسة وزراء بريطانيا مارجريت تاتشر هذه المنهجية المالية الجديدة، فقد رضخ الاثنان لمطالبات مراكز المال والأبحاث والتي كان يقودها مجموعة من الاقتصاديين الكبار يتقدمهم فريدريك فون هايك وتلميذه ميلتون فريدمان، والذين طالبوا الحكومات بإفساح المجال أمام القطاع الخاص بصورة كبيرة وإعطائه الحرية في تحريك الأسواق بينما تكتفي الحكومة بدور الرقابة والتنظيم، وقد حققت هذه الخطوة حينها نجاحات مبهرة لكنها سرعان ما تفاقمت مشاكلها الاجتماعية وحتى المالية لدرجة أنها وقفت عاجزة أمام جائحة كورونا الأخيرة، بينما نجحت الحكومات المركزية البعيدة عن منهجية النيوليبرالية في احتواء الأزمة وتضئيل الخسائر الاقتصادية إلى الحد الأدنى.

صندوق النقد الدولي ساهم بصورة أساسية في انتشار وذيوع النيوليبرالية حول العالم كونه العصا التي تملكها واشنطن في مسألة العقوبات الاقتصادية، فبسبب النيوليبرالية أصبح الوول ستريت هو القلب النابض للاقتصاد العالمي، وبالتالي فقد أصبح هذا الأمر مزعجا لبكين وموسكو تجاه طموحاتهما في إرساء عالم جديد يترسخ على تعدد القطبية الدولية.

وخاتمة القول، تحاول موسكو وبكين التخلص من الاحتياطات الدولارية قدر الإمكان كمحاولة للحد من الهيمنة الأمريكية على تعاملاتهما المالية، بالإضافة إلى أنهما يسعيان إلى تعزيز الاستقلال التكنولوجي، والتحول إلى أنظمة دفع بالعملات الوطنية بعيدا عن أعين الرقابة الأمريكية، ولهذا نحن الآن أمام مفترق طرق بعد قرب نهاية الجائحة الكورونية، فهل ستنتهي النيوليبرالية ويهتز عرش الدولار؟، ونرى منهجية مالية جديدة وبديلة تدير اقتصادات العالم،، مستقبل الأيام ينذرنا بذلك.

@albakry1814