د. محمد حامد الغامدي

n هل مشكلة ندرة المياه وتحدياتها مغيّبة عن المجتمع؟ سؤال ينبئ بمدى رسم علاقة الفرد بمورد الماء الطبيعي. ويقيس أيضا مدى الوعي بهذه الندرة ومحاذيرها وخطورتها مع الطلب المتزايد على الماء. كيف يمكن زيادة الوعي بهذه الندرة وتحدياتها؟ الحقيقة أن المياه الجوفية تشح سنة بعد أخرى. والحقيقة الأخرى تقول بقلة الأمطار وعدم غزارتها، فكيف يمكن زيادة هطولها وغلتها من الماء، لصالح تغذية المياه الجوفية؟.

n لماذا هبطت مناسيب المياه الجوفية عن وضعها قبل (70) سنة؟ لماذا شحت الأمطار حتى في مناطقها المطيرة مقارنة بوضعها قبل نفس الفترة؟ مؤشرات تنذر بتحديات قادمة لا طاقة لأجيالنا على تحملها في ظل استمرار هذه المؤشرات وتفاقمها. ماذا يعني ذلك؟ هل نعي التحديات بشكل علمي؟ إن الأهداف الرصينة التي تراعي أمر الماء جزء من صون المستقبل، وتعظيم ظروف تحقيق متطلباته المائية.

n هل هناك رأي آخر بعد كل المؤشرات السلبية المتعلقة بندرة الماء وتحدياتها ومحاذيرها؟ نعم هناك فئتان. الأولى عذرها جهلهم بالحقائق، ترسخ لديهم مفهوم كون الله سبحانه استعمل الماء كأداة ترغيب وترهيب في القرآن الكريم، فعظموا هذا لدرجة أنهم يرون إصلاح النفس كاف لنزول المطر، في الوقت الذي غيبوا آيات الله عن تأثير الفساد والإفساد في البيئة. آيات تدعو وتحث على أمر المحافظة على البيئة وإصلاحها وتنميتها ومنعها من التصحر، فهي السبب الأهم لنزول المطر وغزارته.

n الفئة الثانية هي الأخطر. كمثال: علق أحد أساتذة الجامعات السعودية على إحدى مقالاتي عن الماء، وهو يحمل الأستاذية في تخصص بعيد عن الماء. يقول: [أمر الثروة المائية والتشاؤم موضة قديمة ومتجددة، وليس لها سند علمي حقيقي، إنما أنصارها يعتمدون على التشاؤم في طرحهم والتعميم]. لاحظوا كلماته: (موضة)، (تشاؤم)، (تعميم)، (ليس لها سند علمي). هل يروج سعادته لعدم المبالاة بندرة الماء؟ يكفي هذا للتلميح بخطورة العقل العلمي عندما يتجاوز تخصصه. عالم تخطى مفهوم أن الحقائق ليست رأيا لأحد. العقل العلمي الذي لا يعرف حدوده يسيء لنفسه وللعلم الذي يحمل. ماذا ترك للعامة؟ لماذا لا يكون الماء أهم عندهم؟.

n وبعد، ماذا يعني وجود تلك الفئتين في المجتمع؟ هل يعني أن مشكلة ندرة المياه وتحدياتها مغيّبة عن بعض العامة، وأيضا مغيبة حتى على بعض علمائنا الأفاضل؟ تغييب حقائق ندرة المياه وتحدياتها يخلق المزيد من التحديات وعدم المبالاة بالماء.

n المياه الجوفية رصيدنا الأهم. تظل دوما الخزان الإستراتيجي لمصدر الماء في بلدنا -حفظها الله-، حتى في ظل كل إنجاز اصطناعي للمزيد من توفير الماء. مصدر مياه هذا الخزان الإستراتيجي هو المطر. ماذا يعني هذا؟ هناك الكثير من الاستنتاجات، أهمها أن المطر يحتاج بيئة مثالية لنزوله. بيئة تحقق الأمن المائي وكنتيجة الأمن الغذائي.

n البيئة تحمل المشكلة والحل. هذا يعني تفعيل مسؤوليتنا في الحفاظ على البيئة وغطائها النباتي وتنميته، خاصة في مناطق الدرع العربي المطيرة. الهدف زيادة غزارة المطر، ومن ثم تغذية المخزون الإستراتيجي من مياهنا الجوفية.

n من المهم إدراك أن زيادة عوامل التصحر تعني زيادة شح المطر. أيضا إدراك أن نتائج الإخلال بالتوازنات البيئية تستغرق عقودا لتظهر نتائجها السلبية. أيضا من المهم إدراك أن انحباس المطر وندرته يخضع للشروط وللظروف البيئية المثالية، التي وفرها الله. الإنسان بجهله وفساده وإفساده وأطماعه وتوسعاته الجائرة على البيئة، يخرب معادلة التوازنات الطبيعية.

n بيئتنا، خاصة المطيرة منها تعاني التصحر والكثير من السلبيات. كنتيجة تقل الأمطار. يزداد الوضع حرجا مع الاستنزاف الجائر المصاحب لتلك السلبيات. هذا ما نعيشه وفقا للمؤشرات، ومنها: نضوب مياه عيون واحة الأحساء الشهيرة، نضوب عيون الأفلاج، هبوط مناسيب المياه الجوفية المتجددة وغير المتجددة، وموت الغطاء النباتي. ويستمر الحديث بعنوان آخر.

twitter@DrAlghamdiMH