د. عبدالوهاب القحطاني

لا يزال التستر التجاري مشكلة كبرى تواجه المملكة، حيث تؤكد المعلومات أن العمالة الأجنبية سيطرت على تجارة الجملة والتجزئة في قطاعات كثيرة منها قطاع الملابس والأقمشة، وذلك بعد أن بلغت نسبتها حوالي 97.5 في المائة من إجمالي عدد العمال في السوق التي أصبحت نسبة السعوديين فيها لا تزيد في أفضل الأحوال على 2.5 في المائة، لكنها تراجعت بعد الحملات التي قامت بها الجهات الحكومية المعنية بمكافحة التستر وتوطين الوظائف في السنوات الاخيرة. هذه إحدى نتائج التستر الذي يجب تكثيف الالتفات إليه ومعالجته بسرعة لإعادة الأمور إلى نصابها.

لا يتوقف التستر التجاري في السعودية عند الأفراد وأصحاب المؤسسات الصغيرة أو العمالة الأجنبية الحرفية البسيطة، بل يشمل قطاعا عريضا من الشركات الكبرى، تحت مسمى «التمثيل التجاري» وهو اصطلاح وهمي يهدف لتغطية تعامل غير نظامي لا تجيزه الأنظمة، حيث توجد شركات متستر عليها تمارس أعمالها في المملكة بكامل موظفيها الوافدين من قمة الهرم التنظيمي حتى قاعدته، وجميعهم يحملون جنسيات شركاتهم أو جنسيات دول أجنبية اخرى، وذلك تحت مظلة الوكيل أو الممثل التجاري. لا تمنح هذه الشركات الفرصة لتوظيف السعوديين إلا في نطاق ضيق جدا وفي مستويات وظيفية دنيا، مع أنه من المفترض تشغيلهم في هذه الشركات بما لا يقل عن 75 في المائة من إجمالي موظفيها. وتقوم هذه الشركات في الغالب بتحويل إيراداتها بالكامل إلى مصارف واستثمارات في الخارج.

مما ذكر أعلاه نفهم أن التستر التجاري يسهم إسهاما كبيرا في تزايد معدل البطالة بين المواطنين، وذلك لأن الأيدي العاملة الأجنبية التي تعمل بطريقة غير نظامية تتقاضى أجورا متدنية تزيد من أرباح المتسترين والمتستر عليهم ما يساهم في تفاقم معدل البطالة بين المواطنين الباحثين عن العمل.

التستر التجاري في مجمله يعني تمكين الوافدين من ممارسة النشاطات التجارية والصناعية ذات الطابع الاقتصادي بطريقة غير نظامية، حيث اعتبر النظام استخدام الوافد لاسم المواطن أو سجله التجاري أو ترخيصه أو بأي طريقة أخرى مخالفة صريحة لتعليمات ممارسة الأعمال التجارية في المملكة.

ينعكس التستر التجاري سلبا على التحويلات المالية وسعر العملة السعودية مقابل العملات الأجنبية الرئيسة. يسعى الوافدون لتحقيق الأرباح بأسرع وقت وأعلى نسبة ممكنة من خلال توظيف الأيدي العاملة الوافدة التي تنافس الأيدي العاملة السعودية من حيث الأجور، وذلك في ظل غياب الأنظمة التي تحدد المستوى الأدنى للأجور.

وبطبيعة الحال فإن الأيدي العاملة الوافدة تكسب الحد الأدنى من الأجور في المملكة لأنها تعتبر مرتفعة مقارنة بالأجور في بلدانها، بل إن الكثير من الوافدين لا يملكون القدرات والمهارات الكافية التي تؤهلهم للحصول على عمل في البلدان التي قدموا منها. وبصراحة غير مبالغ فيها لقد أصبحت المملكة أكبر ورشة تدريب للوافدين على مستوى العالم.

للمواطن دور كبير في التستر التجاري حينما يسمح للوافد باستخدام سجله التجاري مقابل مبلغ مالي بسيط يتقاضاه بنهاية كل شهر أو سنة حسب اتفاقية التستر المبرمة بينه وبين الوافد. لابد من إيقاظ ضمير وحس المواطن لوضع نهاية لمثل هذه التصرفات التجارية غير النظامية وغير الأخلاقية التي تضع اقتصادنا وأبناءنا وبناتنا في سجلات البطالة، بل يرتكب البعض منهم الجرائم بدافع الحاجة الماسة للقمة العيش، وهذا ما تشير إليه سجلات الأمن من تصاعد ملموس لجرائم السرقات والجرائم غير الأخلاقية الأخرى.

صدور اللوائح والأنظمة والسياسات ذات العلاقة بمكافحة التستر ليس كافيا إذا لم يتوافر العدد الكافي من اللجان لمتابعة التستر التجاري في كل مدينة وقرية في المملكة، ناهيك عن عدم توافر الحوافز الكافية لأعضاء هذه اللجان للقيام بعملهم على الوجه المطلوب.

كلية الأعمال KFUPM

@dr_abdulwahhab