أ. د. هاني القحطاني

الإنسان كائن اجتماعي بطبعه. ومنذ فجر التاريخ كانت المدينة الحاضن الرئيس للفرد والمجتمع والحضارات. وقد بلغ من شأن بعض المدن أن فاقت دولها، كما هو حال مدن الإغريق، حيث أصبحت الحضارة الإغريقية تعرف بمدنها لا بامتدادها الجغرافي الذي غطى البحر المتوسط بامتداده الشاسع. والمدينة كما هو معروف بالضرورة بناء بالغ التعقيد يشارك فيه كل مَن عاش فيها بدرجات مختلفة من التأثير.

تعرف المدن بأشكالها، بعماراتها، بمبانيها، بشوارعها، بميادينها، بأحيائها، بخطوط أفقها وبكل ما تختزنه الذاكرة الذهنية لأفرادها. والمدينة نتاج مباشر أو غير مباشر للقوى التي تنتجها. وهنا يمكن الحديث عن مستويات عدة من القوى المسؤولة عن شكل المدينة وعن تصور الناس لها. تختلف هذه القوى حسب المعطيات التاريخية والجغرافية لكل مدينة وتبعا لمواردها الاقتصادية، وعدد سكانها، والهياكل الإدارية التي تشغلها، والبنى السوسيولوجية التي تسكنها وتعمل فيها. ونظرا للطبيعة الاجتماعية للمدينة، فإن المؤسسات تحظى بأهمية خاصة في إعطاء المدينة شكلها الذي تظهر به. وهنا أيضا تختلف مرجعية المؤسسات المدنية من دولة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر. ويمكن القول إن المؤسسات الحكومية هي المؤسسات الأهم التي تعطي للمدن أشكالها. يقصد بالمؤسسات الحكومية تلك التكوينات الإدارية، التي تنظم عملية التنمية. وربما كانت الأمانات (البلديات) هي أهم المؤسسات المسؤولة مباشرة عن تحديد أشكال المدن وهو ما أصبح معروفا بالضرورة. فالأمانة أو البلدية هي التي تخطط وتصمم وتشرف وترسي المشاريع في التوسع والتنمية وهي التي أيضا تشرف على عملية إدارة التنمية في المدينة وصيانتها وهي مهمة توازي أهمية بناء المدينة ذاتها. ولهذا السبب ربما كانت الأمانة أو البلدية قلب الجهاز التنموي النابض لأي مدينة. ومن هنا تنبع الأهمية الاجتماعية والمسؤولية الملقاة على منتسبي الأمانات والبلديات. فالأمانة والبلدية هي منظم إيقاع التنمية العمرانية.

وفي صلب اهتمام الأمانات يأتي التخطيط باعتباره عملية منهجية منظمة لترتيب كافة جوانب التنمية وترشيدها وفق احتياجات وظيفية وحياتية لضمان أن تكون التنمية وفق خطط مدروسة. والتخطيط مجال واسع يتجاوز بكثير مجرد التخطيط الفيزيائي الذي تضطلع به الأمانات والبلديات من رصف وإنارة وتسوير حدائق أو مقابر، إنه أعمق من ذلك بكثير. التخطيط يتضمن رؤى متعددة المسارات لعدد كبير من العلوم التطبيقية وربطها بعملية التنمية ومن ثم إنتاجها في قالب عمراني يلبي كافة المتطلبات، التي يسمو إليها الناس. هكذا هو التخطيط التنموي أو هكذا يجب أن يكون. والتخطيط مرتبط ارتباطا وثيقا بعلم الإحصاء وعلم السكان والدراسات الاجتماعية والنفسية وغيرها من التخصصات الفرعية التي تزود مخططي الأمانات بمعلومات في غاية الأهمية للقيام بتخطيط عمراني سليم مبني على أسس علمية مستقبلية ومستدامة. ويتصل بالتخطيط قائمة ليست بالقصيرة من التخصصات الهندسية، التي توكل إليها مهام تنفيذ الخطط التنموية. وربما كان المعماريون والمخططون الأكثر ارتباطا بها.

وعلى ارتباط وثيق بالقرار التنموي تلعب المجالس البلدية دورا بالغ الأهمية في ترشيد وتوجيه دفة التنمية العمرانية في المدينة. ولأن التنمية عملية تنطوي على قدر من المشاركة المجتمعية، فإن المجالس البلدية هي صوت المواطن في عملية التنمية. إن من شأن المجالس البلدية أن تكون رافعة للتنمية العمرانية بما تمثله من مسؤولية اجتماعية وبما تملكه من القدرة على توصيل الرؤى التنموية للمواطنين للمؤسسات المعنية بالتنمية. المجالس البلدية ليست ولا يجب أن تكون رقيبا على أنشطة البلديات. إنها شريك رئيسي في صنع القرار التنموي. إنها عون ومعين ومصدر ترشيد وتوجيه للعملية التنموية برمتها.

وعلى اتصال بالتنمية العمرانية، بل وفي صلبها ملكية الأراضي والعقارات ودورها في تنشيط أو تثبيط العملية التنموية. غير أن ذلك لأهميته بحاجة لمقال آخر.

Hanih@iau.edu.sa