مطلق العنزي

لم تعد التنظيرات ومهايطات المنابر، تنفيسا عن النفس أو ترويجا للذات، وإنما أصبحت وظيفة، بمهارات خاصة، يمتهنها المفوهون وحاملو الشعارات. يتسيدون الندوات والفضائيات، وينمقون الكلام والصراخ والجدل. والمفاجأة أنهم لا يجيدون غيرها. فإذا ما وجدوا أنفسهم في ميدان العمل يفشلون. وخير مثال الرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي، إذ أحرق هذا العجوز الأخرق سنين من عمره في المنابر والمؤتمرات، وتنميق الخطابات، ومهاجمة الحكومات، وترويج شعارات براقة مبهرة، عن العدالة والتنمية والحقوق والتطلع وعبقرية قيادة الدول. وكانت هذه مجرد تنظيرات على الورق والميكروفونات، فحينما تسنم المرزوقي كرسي الرئاسة في تونس وميدان العمل، وجد نفسه عاريا عقيما لا يملك أي مهارات إدارية، وغير قادر على أي فعل ذي قيمة مضافة، وفشل فشلا ذريعا، فقد شغل المنصب الأول في تونس، وغادره، وتونس تغرق في مشاكلها، وكأن المرزوقي لم يخلق قط. وكان مجرد صورة، لم يقدم أي برنامج تنموي صحيح، واتسم بإدارة كسيحة مقارنة ببراعته الخطابية في المنابر.

وهذا يدل على أن أبطال الخطابيات والشعارات، مجرد أبواق للنفخ وتنميق الكلمات، ونسج أحلام طوباوية، وفقراء من أية مهارات للإدارة والإنجاز في ميادين العمل.

وبعد فشل المرزوقي في الإدارة، وبعد ما غادر رئاسة الدولة، عاد للخطابيات والمنابر والمصايحات وشحذ مهارات التنظيرات. ولم يكتف بهذا، بل عمد نفسه وكيلا للشعوبية ومبشرا بالأردوغانية وصبيا حزبيا يضرب بالدفوف. وكال تهما بالكوم للمملكة والإمارات ومصر. يا للمفارقة، قادة هذه الدول قدموا تجارب ناجحة ومبهرة في إدارة الدول، فيما حصد المرزوقي وأضرابه الفشل.

مع الأسف تخرج المنابر العربية والمنتديات أفواجا من صنف المرزوقي، الذين يجيدون الأقوال والخطابيات والتحريض وترويج الشعارات الوهمية، وجعلوا من المنابر وظيفة وارتزاقا وبنوا مهاراتهم الفكرية وتكونت شخصياتهم على أنهم مجرد صدى وغثاء، وعاجزون عن تطوير أي مهارات إدارية وقيادة حركة التغيير.

* وتر

في مدن العذاب، أحلام وأعين ترنو لمطالع الشموس،

لتطفئ ظمأ الوجد

والمنابر تموج بأوهام الصخب

إذ يوقد الحزبيون المتوحشون نيرانهم

ويحضرون القرابين: أمة ومدينة ومهج ندية

malanzi@alyaum.com