حاول أن تراقب سربا من الطيور في السماء، ستجده يتحرك بتناغم مطلق عند تغييره لاتجاهه، والكل ينفذ الحركة ذاتها بمنتهى الدقة، ويمكن أن يتسع السرب ليحتوي مئات من الطيور، ولكنهم سيحافظون على ذلك التناغم دون وجود أي قيادة واضحة، والكل يتحرك بتكامل في اللحظة ذاتها دون أن يصطدم بآخر خلال الطيران، وكأن أمرا قد أصدر لينفذه الجميع فورا، فكيف يحدث ذلك دون أن يكون هناك متسع من الوقت لتبادل أية معلومات، وما هذا التوافق العجيب الذي يحدث في آلية حركتهم؟، وقد حاول علماء الأبحاث والخبراء الفيزيائيون دراسة الأمر لسنوات لاكتشاف الشفرة التي تقود حركات الطيور، من أجل التوصل لبعض المبادئ التي يمكن أن تحل معضلة الاختناقات المرورية، أو تسهل من إستراتيجيات المراقبة الجوية، أو استغلال تلك الميكانيكية لترجمتها كدليل في تصميم الطرقات والتخفيف من حوادث السيارات، لكن التعقيد الذي يشوب الظاهرة استعصى على تفسيراتهم وزاد من حيرتهم، فلا مجال لإسقاط تلك الحالة اللامكانية على لغة العالم الآلية المادية، فذلك التواصل اللحظي الذي نشهده بين أسراب الطيور قادم من ما فوق المستوى المادي، نتيجة الرقص على أنغام النظام الكوني المتناغم، وليست الطيور هي الراقص الوحيد، فالأمثلة لا تحصى عن عدد الخلائق في كوكبنا والتي تدعم براهين التواصل الكوني، فالدراسات المكثفة حول الحشرات والحيوانات تظهر تجاوبها السحري مع التهديدات بأسرع مما يمكن شرحه عبر طرق التواصل العادية، وقد تكثر الأمثلة في عالم الحيوان لأننا كبشر قد فقدنا ذلك الاتصال لشدة الانهماك في هموم الحياة التي تصرفنا عن استقبال ذلك الحس، لكن هناك مثالا قويا يخص ذلك التواصل اللامكاني وتعيشه كل الأمهات مع رضيعها، حين يتدفق الحليب من ثديها حال بكاء الطفل من أجل الرضاعة، حتى لو كان الاثنان في أماكن مختلفة، وفي حقيقة الأمر نحن جميعا في حالة ارتباط دائم بالذكاء اللامكاني، وبقاء أجسادنا يعتمد بكليته على عظمة ذلك التناغم الغيبي، فأجسامنا تتصرف بتناغم طيلة الوقت، وفور حدوث أي اضطراب في عضو ما يتداعى له سائر الجسم، فلو أنك مثلا لم تأكل طوال اليوم وبدأ مستوى السكر بالانخفاض، ستجد مجمعا من تناغم الأحداث يعمل ليعيد مستوى السكر لوضعه دون أن تأمر أو تستوعب، وفي الجسم السليم ينتظم هذا التناغم بشكل مثالي، ولكن عندما يغزو المرض الجسد يحدث نشاز في أحد الإيقاعات، مما يفقده تناغمه، ويشكل التوتر أكبر معيق لهذا الإيقاع، فإن كنت متوترا أو انتابتك مشاعر عدوانية يصبح توازنك الجسدي مرتبكا، لأن التوتر يقطع تواصلنا الكوني، ورغم أن جميع المشاعر السلبية تعطب من ذاك التواصل بين جسدك والتناغم الكوني، لكن الأكثر توثيقا ودراسة هما الغضب والعدوانية، فحين يضطرب التناغم يبدأ الجسد بالتصرف بطريقة فوضوية مبعثرة، مما يحدث قمعا لنظام المناعة، الأمر الذي يؤدي لتفاقم أعراض أخرى، ويجعلك تدرك بوضوح تلك المعاني العميقة خلف كلمة «لا تغضب».
LamaAlghalayini@
LamaAlghalayini@