كان التلفزيون من أبرز وسائل الترفيه لدينا، وكانت له ساعات محددة، وكان اليوم طويلًا، والساعات والفراغ يحتاج إلى ما يملؤه.
فكيف كنا نقضي كل ذلك الوقت؟ كنا نتجه إلى الكتب.
لم تكن القراءة يومها مشروعًا لتطوير الذات، ولا عادة نمارسها لأن أحدًا أقنعنا بفوائدها؛ كانت ببساطة متعة من متع الحياة. كان الكتاب رفيقًا حاضرًا في البيت، نفتح صفحاته فنجد أنفسنا في عالم آخر؛ نسافر بين المدن والبلدان، ونعيش حيوات أشخاص لم نلتقِ بهم، ونخوض مغامرات لم نعشها.
كنا نقرأ بنهم؛ نلاحق الصفحات واحدة تلو الأخرى، بدافع الفضول والرغبة في معرفة ما سيحدث. وربما أنهينا الكتاب في جلسة أو جلستين، ثم شعرنا بشيء من الحزن حين نصل إلى الصفحة الأخيرة؛ لأن الحكاية التي عشنا معها أيامًا قد انتهت.
ولهذا، أظن أن علاقتنا بالكتب اليوم ليست علاقة قراءة فحسب؛ فنحن حين نشتري كتابًا، نشتري معه شيئًا من ذاكرتنا القديمة. نشتري رائحة الورق، وملمس الصفحات، وهدوء الأمسيات، وذاكرة زمن كانت فيه الحياة أبطأ، وكان للوقت طعم آخر.
كنا نقرأ لأن الوقت كان لنا، ولأننا لم نكن نملك كل هذه الوسائل التي تتنافس اليوم على انتباهنا.
ربما لم تتغير علاقتنا بالكتاب بقدر ما تغيّر الزمن من حولنا.
لقد أصبح الكتاب اليوم أكثر من وسيلة للقراءة؛ أصبح، بالنسبة إلى جيلنا، نافذة نطل منها على زمن كان أكثر هدوءًا، وأقل ضجيجًا، وأكثر قدرة على منحنا شيئًا نفتقده كثيرًا في حياتنا الحديثة: وقتًا نملكه نحن.
[email protected]



