النقلة من مرحلة التعليم إلى مرحلة التعلّم، تعد خطوة كبيرة جدا في استشراف المستقبل، مثلما أنها ثورة بكل المقاييس وعلى جميع الجبهات. وهذه الثورة مختلفة عن بقية الثورات؛ فهي لا يُقصد بها إصلاحا تربويا أو تطويرا تكنولوجيا، بل هي فلسفة اجتماعية شاملة، تشعل الثورة في منظومة التعليم من الأسفل، مثلما أنها ثورة لا تهبط عليها من أعلى من خلال إطلاق الشعارات وفرض التصورات، كما هي الحال في منظومات التعليم الحالية. إذ تنطلق من الفرد المتعلم الذي يصبح من واجبه أن يواصل تعليمه، ومن واجب الحكومات والمؤسسات والجماعات التعليمية أن توفر له بيئة اجتماعية زاخرة بفرص التعلّم، ولا سبيل إلى ذلك إلا من خلال وعي مؤسسات التعليم والقائمين عليها بأهمية ذلك التحوّل.
وقد نشأت مع هذه النظريات أيضاً حقول معرفية جديدة، تصبّ في إطار عام يُطلق عليه «إيكولوجيا التعلّم»، حيث تنتقل المنظومة التعليمية من معاقل التعليم التقليدية، التي يكون تدفق المعرفة وطرق الاكتساب فيها باتجاه واحد من المؤسسة والقائمين عليها إلى المتعلم المستفيد. وخلافا لذلك أصبحت منظومة التعلم الشاملة قائمة على استباق المراحل، التي يتطور فيها نقل المعارف واكتساب المهارات لدى البشر في كل عصر معرفي وحقبة زمنية. ففي عصر الصناعة كان الاقتصاد هو محور منظومة المجتمع، وكان التعليم مجرد منظومة فرعية تكاد تكون منقطعة الصلة بالمنظومات الاجتماعية الأخرى؛ لا تتفاعل معها إلا في أضيق الحدود؛ حتى إن بعض المفكرين قد شبّه المدارس بالمعاقل المنعزلة. وتظل هذه المنظومات بفعل المتغيرات الاجتماعية تلقي بضغوطها على منظومة التعليم، مطالبة بضرورة التجديد، دون أن تحدث الاستجابة، لتزداد الهوة التي تفصل بين المؤسسة التعليمية ومجتمعها يوماً بعد يوم. ومع الزمن تتوالى دعاوى الإصلاح، ويتكرر فشلها في كل المجتمعات دون استثناء، ويشتد توجيه النقد للمؤسسة التعليمية، وليس هناك غيرها من يكال له اللوم، أو يوضع في قفص الاتهام.
وهكذا أصبحت مؤسسات التعليم الرسمية هي كبش الفداء، وما نزعة توجيه اللوم إليها من قبل المجتمعات إلا تحرر من عقدة الذنب، فهم يفرضون عليها الجمود، ثم يطالبونها بسرعة التغيير، ويستخدمونها سلاحاً أيديولوجياً، ثم يطالبونها بالثورية، ويمتهنون معلميها ثم يطالبونهم بالتفاني في أداء وظائفهم، وبأقصى درجات الارتقاء المعرفي والمهني، ويحولون متعلميها إلى مجرد بيانات إحصائية، ثم يتحدثون عن تنمية قدراتهم الإبداعية ومراعاة ميولهم الفردية. إن فشل التعليم الذي ورثناه عن عصر الصناعة ليس المسؤول عنه فرد أو مجموعة من الأفراد، أو حتى مجموعة من المؤسسات؛ إنه استناداً إلى آراء كثير من المفكرين فشل بنيوي يرجع إلى اتساع الهوة بين احتياجات اجتماعية متغيرة وبيروقراطية تربوية مترسخة فقدت صلتها بواقعها الاجتماعي. ولهذا السبب ينشأ في تلك المنظومة خطاب بلاغي طنان منمق يسرف في الوعود دون أي نتائج ملموسة على أرض الواقع. أما في مجتمع اقتصاد المعرفة فيحتل التعليم والتعلم موضع القلب في المنظومة المجتمعية، ويفترض فيه ضرورة التفاعل مع جميع منظومات المجتمع الأخرى دون استثناء. فيكتسب الفرد والمجتمع القدرة على التكيف التلقائي والتصويب الذاتي مع كثرة المتغيرات الاجتماعية الشديدة الديناميكية. وبارتقاء مجتمع اقتصاد المعرفة إلى مستوى مجتمع التعلم الذي يتعلم فيه الجميع: البشر والنظم والآلات، يصبح التعليم بمثابة «إيكولوجيا» عامة تتسامى فيها المعرفة، ويتشاركون في إنتاجها واستهلاكها.
@falehajmi
وقد نشأت مع هذه النظريات أيضاً حقول معرفية جديدة، تصبّ في إطار عام يُطلق عليه «إيكولوجيا التعلّم»، حيث تنتقل المنظومة التعليمية من معاقل التعليم التقليدية، التي يكون تدفق المعرفة وطرق الاكتساب فيها باتجاه واحد من المؤسسة والقائمين عليها إلى المتعلم المستفيد. وخلافا لذلك أصبحت منظومة التعلم الشاملة قائمة على استباق المراحل، التي يتطور فيها نقل المعارف واكتساب المهارات لدى البشر في كل عصر معرفي وحقبة زمنية. ففي عصر الصناعة كان الاقتصاد هو محور منظومة المجتمع، وكان التعليم مجرد منظومة فرعية تكاد تكون منقطعة الصلة بالمنظومات الاجتماعية الأخرى؛ لا تتفاعل معها إلا في أضيق الحدود؛ حتى إن بعض المفكرين قد شبّه المدارس بالمعاقل المنعزلة. وتظل هذه المنظومات بفعل المتغيرات الاجتماعية تلقي بضغوطها على منظومة التعليم، مطالبة بضرورة التجديد، دون أن تحدث الاستجابة، لتزداد الهوة التي تفصل بين المؤسسة التعليمية ومجتمعها يوماً بعد يوم. ومع الزمن تتوالى دعاوى الإصلاح، ويتكرر فشلها في كل المجتمعات دون استثناء، ويشتد توجيه النقد للمؤسسة التعليمية، وليس هناك غيرها من يكال له اللوم، أو يوضع في قفص الاتهام.
وهكذا أصبحت مؤسسات التعليم الرسمية هي كبش الفداء، وما نزعة توجيه اللوم إليها من قبل المجتمعات إلا تحرر من عقدة الذنب، فهم يفرضون عليها الجمود، ثم يطالبونها بسرعة التغيير، ويستخدمونها سلاحاً أيديولوجياً، ثم يطالبونها بالثورية، ويمتهنون معلميها ثم يطالبونهم بالتفاني في أداء وظائفهم، وبأقصى درجات الارتقاء المعرفي والمهني، ويحولون متعلميها إلى مجرد بيانات إحصائية، ثم يتحدثون عن تنمية قدراتهم الإبداعية ومراعاة ميولهم الفردية. إن فشل التعليم الذي ورثناه عن عصر الصناعة ليس المسؤول عنه فرد أو مجموعة من الأفراد، أو حتى مجموعة من المؤسسات؛ إنه استناداً إلى آراء كثير من المفكرين فشل بنيوي يرجع إلى اتساع الهوة بين احتياجات اجتماعية متغيرة وبيروقراطية تربوية مترسخة فقدت صلتها بواقعها الاجتماعي. ولهذا السبب ينشأ في تلك المنظومة خطاب بلاغي طنان منمق يسرف في الوعود دون أي نتائج ملموسة على أرض الواقع. أما في مجتمع اقتصاد المعرفة فيحتل التعليم والتعلم موضع القلب في المنظومة المجتمعية، ويفترض فيه ضرورة التفاعل مع جميع منظومات المجتمع الأخرى دون استثناء. فيكتسب الفرد والمجتمع القدرة على التكيف التلقائي والتصويب الذاتي مع كثرة المتغيرات الاجتماعية الشديدة الديناميكية. وبارتقاء مجتمع اقتصاد المعرفة إلى مستوى مجتمع التعلم الذي يتعلم فيه الجميع: البشر والنظم والآلات، يصبح التعليم بمثابة «إيكولوجيا» عامة تتسامى فيها المعرفة، ويتشاركون في إنتاجها واستهلاكها.
@falehajmi