د. فالح العجمي

في مناسبات متعددة وفي محلات مختلفة ومدن متباعدة في بلادنا لاحظت عدم اهتمام كثير من الباعة بإرجاع المتبقي من سعر المشتريات إذا كان دون الريال. وكثير منا يعرف حجج أولئك الباعة ومقولاتهم؛ سواء كانوا أجانب قبل السعودة، أو من الشباب السعوديين، بإعطائك علكاً من ستاندات مرصوصة بجانب الكاشير، أو الطلب منك والضغط بأن تتبرع بالباقي لجمعيات وأعمال لا تعلم ما هي إلا من خلال أقوال شفهية من أناس صغار (ربما حتى لا يعلمون أين أوجه صرفها فعلاً).

وفي أحد الأسواق التي أملك بطاقة ولاء فيها أتيت بأغراضي التي أردت شراءها إلى المحاسب السعودي، الذي بادرني بالقول بعد أن ظهر على شاشة الكمبيوتر أن مبلغ الحساب كذا ريالا وسبع هللات، فسألني إن كنت أريد الباقي أم أتبرع به، فقلت له: سأعطيك عشر هللات، فرفض بحجة أنه عمل صعب عليه أن يعد الهللات بعد أن يسلم مبالغ الحساب إلى الخزينة، وأن ملء اليدين من الهللات -حسب وصفه- لا تساوي خمسة ريالات (وهو يتعب من عدّها حسب ما قال). ثم أردف قائلاً: 90% من الزبائن لا يريدون الهللات المتبقية من حسابهم، إذ يتركونها، أو يقولون: تبرع بها! فقلت له: كيف حكمت بأن 90% من زبائن السوق يتصرفون بهذه الصورة؟ أولاً هل عملت إدارة السوق أي إحصائية عن الرغبات (سواء كان كل من يدخل إلى السوق، أو باختيار عينة كافية للحكم في وقت محدد)؟ وهل كل الزبائن يمرون من عندك، أم إن بعضهم يحاسب عند آخرين غيرك، إن لم تكن قد عملت استبانة بآرائهم؟ قال: لا، ما هو لها الدرجة يعملون استبانات، هذه مبالغ بسيطة جداً، وتقريباً كل من أسأله يقول كذا. قلت: هذه آفة التعميم، بما في ذلك كلامك الأخير عن أنها مبالغ بسيطة. انظر في فاتورتي هذه، فقد بلغت هذه التبرعات خلال هذا العام، حسب ما هو مدون فيها تسعة ملايين ومائتي ألف ريال. فهل هناك قائمة مكتوبة بالجهات التي تذهب إليها هذه التبرعات، حتى يكون الزبون على بينة من أمره. وإذا كانت تلك الجمعيات أو الجهة النهائية المحددة بعينها لم تتلقّ هذه الأموال، فإنها تستطيع أن تحتج بأن اسمها يستغل لأغراض مشبوهة.

وبعد أن غادرت السوق بدأت أفكر في حالات مماثلة لأوضاع التفكير العربي المنهَك بآفات منها هذه الآفة المتمثلة في التعميم المجاني، التي لا يقتصر أثرها على إيهام المتلقين بأن أغلب الناس يتصرفون وفق هذه الطريقة، لكي يقلدهم، ويسير مع القطيع؛ بل إن الأثر يتعدى ذلك إلى اقتناع المتكلم بأنه على بينة من مقولاته المدعمة بحجج واهية. فليس أضر على المجتمعات من عبارات مثل: «الناس يقولون،... أو يفعلون»، دون معرفة من هم هؤلاء الناس. وما هو أكثر تأثيراً منها، أن يبادرك من يتواصل معك في محادثة عامة أو خاصة بالقول: «يا أخي كل الناس تسوّي كذا» (مثلاً لو ناقشته في تصرف سيئ مارسه أمام الناس، مثل رمي مخلفات في مكان غير مخصص لها). وربما يكون أكثر إيلاماً مصادرة رأيك، عندما يريد أحدهم إقناعك: «كل الناس المحترمة تسوّي كذا»؛ مما يعني أنك لست محترماً. فمن أين أتى بإحصائية كل الناس، ومن أين أتى بأنهم محترمون؟.