لمي الغلاييني

كثيرا ما نشعر بأننا محاصرون ببرامج عقولنا، فالخوف لديه برنامجه الخاص للتجول في عقلنا، ويعرض الاكتئاب صورا مظلمة على شاشاتنا الذهنية، أما الغضب فيطلق دخانه باهتياج يتعذر السيطرة عليه، ولذلك تستخدم بعض مدارس علم النفس تعبيرا مجازيا يشبه العقل بالفيل المربوط بوتد، أو كالقرد الهائج المتنقل بلا توقف بين الأشجار، وهم لا يهدفون من وراء تلك التشبيهات لترويض القرد أو تحرير الفيل فقط، بل يهمهم في الدرجة الأولى معرفة تلك البرامج الداخلية المتسببة بذلك، ثم الارتقاء بها لوعي أسمى يتخطى تلك التقلبات الذهنية.

ففي سعينا لتحرير العقل من صراعاته لابد أن نفهم أولا كيف أصبح محاصرا بها، فالتحرر العقلي ليس حالة سلسة يمكنك دخولها ببساطة عن طريق فتح الباب، أو كسر مجموعة من الأغلال، ولكنها عملية جادة لتحليل البصمات المتراكمة في طبقات الذهن من التجارب الخاصة بذكريات الماضي، التي تجبرك على الرد بالطريقة المبرمجة نفسها المرة تلو الأخرى، وتسلب تدريجيا من حرية الاختيارات اللامحدودة لاستجاباتك.

ففي حالة برنامج الغضب مثلا، يندلع الغضب مدمرا كل ما حوله، ولا يدرك الغاضب الضرر الذي أحدثه إلا بعد أن يهدأ، وتنتهي الثورة بالندم والوعد بألا يثور مرة أخرى، ثم الدخول في مرحلة الخجل والشعور بالذنب، والتعهد بكبح الدافع في المستقبل والتفكير بمنطقية، وكثيرا ما تتبدد هذه الوعود هباء، لأن الدافع عندما يبدأ بتراكم البخار، فلا بد للضغط أن يجد متنفسا، والأرجح أن هؤلاء الغاضبين قد اتفقوا فيما مضى على تبني التصرف الغاضب كآلية للتعامل مع الضغوط، وغالبا ما يكونون قد شاهدوا الغضب كتعبير سلطوي أثناء العيش مع عائلتهم، أو في المدرسة، فارتبط لديهم كأسلوب قوي للنفوذ والتعبير، واستعاضوا به عن أي بديل آخر، توقفوا عن البحث عن سبل أرقى للتنفيس وإيصال الأفكار، ولذلك فهم لا يعرفون كيفية الحصول على ما يريدون بدون استخدام تلك الوسيلة.

ويمكنك تطبيق التحليل السابق لآلية الغضب على الاستجابات القهرية السلبية الأخرى، كالقلق والاكتئاب والإدمان، فكلها تعود للبرمجة القديمة المقيدة، والأشخاص الخاضعون لها عاجزون عن الإفلات من حصار ذاكرتهم السامة، مضيفين في كل مرة الطبقة تلو الأخرى، ولهذا فطبقات القاع التي تكونت في الطفولة مازالت قادرة على إرسال نفس رسائلها القديمة، ولهذا السبب فالكثير من البالغين غالبا ما يلمحون طفلهم الداخلي ينظر إليهم في المرآة بنفس مشاعر الخوف أو القلق، لأن برمجة الماضي مازالت تحكم حاضرهم.

في المرة القادمة، حاول أن تتأمل ردة فعلك نحو موقف ما بكل تفهم، وأن تكتشف البرنامج القديم القابع خلفها، وأن تتخيل نتائج التصرف بخيارات مختلفة، بعد أن تطمئن الطفل القابع بداخلك أنك أصبحت قادرا على التعامل بسيناريوهات جديدة.