د. محمد حامد الغامدي

حتى تتضح صورة مبررات استنتاجي، بأن جبل شدا هو طور سينين الذي ورد في القرآن الكريم. لابد من توضيح أن وظيفتي لا تتعدى قراءة المشاهد المطروحة أمامي، بجانب استدعاء المحفوظ منها في ذاكرتي. وبالمقارنة تتضح الصور والفروقات. ما فائدة ما أكتب؟ هل يهمكم في شيء؟ أنتم من يحدد، وأترفع بأنفسنا أن نأخذ بتصرف النّعامة.

بلدنا مستهدف من أعداء يتوالدون، يزرعون الكراهية والحقد والدسائس، فهل كان «كمال الصليبي» أحدهم؟ في عام (1985)، وأثناء ترؤسه قسم التاريخ في الجامعة الأمريكية ببيروت، جاء بكتابه بالإنجليزية «التوراة جاءت من جزيرة العرب»، محوره وتشعباته عن منطقة جنوب غرب المملكة. بالكتاب أسس لمشروع خطير وفق قراءتي واستنتاجي، وتجذر الاعتقاد وتصلب مع السنين.

تم التسويق للكتاب عالميا بعناوين مثيرة، منها: «القدس في السعودية». كتاب الصليبي زرع بذرة اهتمامي، وأعتقد أن التذكير بما ورد في كتابه ضرورة وطنية، أن يظل عالقا في أذهاننا جيلا بعد جيل. هناك من ينسج ضد بلادنا، ويزرع بذورا ضارة، تستغلها أطراف لا نعلمها جميعا.

الخطر الحقيقي يأتي من أصحاب الأجندات السلبية من العلماء، وأهل الفكر والخبرة، فهم القادرون على توريث فكرهم وتوجهاتهم لطلابهم، ولأجيال تأتي من بعدهم، تتبنى طرحهم الخبيث، وتتعصب لصالحه، وتجعله مسلمات وقيما ومنهج حياة.

عندما يتم توجيه سهام الفكر المنحرف والزائف نحو الوطن، فيجب عدم السكوت، وعدم دفن مؤشراته السلبية. وكان هناك حديث عابر من بعض المؤرخين والباحثين لدحض أطروحات كتاب الصليبي التي تحمل علانية مفهوما لمشروع مستقبل مشبوه، بأهداف مسمومة.

تصلبت استنتاجاتي بقراءة مشهدِ ترجمتِهِ لأكثر من «75» لغة في ثلاثة أشهر بعد صدوره. ترجمة استثنائية، جاءت لتؤكد لشخصي أن خلف الترجمة جهات ترغب في غرس مشروع الكتاب كمرجع، ليصبح وثيقة ملهمة، لأصحاب المشاريع العدائية.

شيخنا حمد الجاسر رد في حينه، على الصليبي، في خمس حلقات بمجلة اليمامة، إضافة إلى آخرين. فهل تم توثيق الردود؟ أتساءل عن تجاهل علماء الجامعات السعودية بأقسامها المتخصصة. لماذا تقاعسوا عن إصدار كتاب موثق بهدف ترجمته إلى كل اللغات التي تُرجم إليها كتاب الصليبي، وذلك لدحض استنتاج الصليبي بقوله: إن أرض الميعاد ليست فلسطين وإنما هي منطقة جنوب غرب المملكة. ليصبح الرد كتابا مقابل كتاب، وترجمة مقابل ترجمة، وتوزيعا مقابل توزيع، ووثيقة مقابل وثيقة، ومناكفة مقابل مناكفة.

توسعت قراءتي للمشاهد منذ «1985». كنت وقتها مبتعثا للدراسات العليا في أمريكا حيث اطلعت على الكتاب لأول مرة. ثم رفع نفي الشيخ حمد الجاسر ودحض استنتاجات الصليبي من سقف اهتمامي.

قناعتي زادت قوة وصلابة بفضل كتاب ابن الوطن، الباحث الأكاديمي «أحمد قشاش»، بعنوان: «أبحاث في التاريخ الجغرافي للقرآن والتوراة ولهجات أهل السراة»، الصادر عام 2018. ولتعميق قناعتي وضعت كتابا لقراءتي الأولية في كتاب «قشاش»، بعنوان: «رأي وتساؤلات»، أثار أكثر من (300) سؤال. لم أضع أجوبة لتلك التساؤلات. كان هدفي تحريك مكامن التساؤلات؛ لبعث المزيد منها. وقد أفضت إلى قناعة أن أقدم لكم نقاشا جديدا يفضي لبناء مشروع يقوم على تحليل الصليبي، لكنه يعطي استنتاجا مخالفا لاستنتاجه الخبيث. وذلك بهدف الدفاع عن وطننا حفظه الله.

مشروعي ضد أفكار يقدمها عقلاء علماء في ظاهرهم، لكنهم يستغلون مكانتهم لزرع بذور كاذبة التوجه، لتستغلها عقول أذنابهم المستدامة. وصلت لقناعة بأن كتاب الصليبي يمثل مشروعا استعماريا، وكتاب ابن الوطن قشاش يمثل مشروعا عروبيا. وكان جبل شدا طاقة الشرارة التي أطلقت همّة الغيرة. وللحديث بقية.