«اليوم».. حنين لا يمكن نسيانه
احترت في كتابة هذا المقال الافتتاحي الذي أعود به إلى جريدة اليوم بعد انقطاع دام أكثر من عقد من الزمن، ورأيت أنه من الأصوب أن أتذكر البدايات الأولى التي كتبت فيها في هذه الصحيفة الغراء في مطلع التسعينيات حينما كان الأستاذ خليل الفزيع رئيسًا للتحرير. كنت في غاية الحماس وكنت أرى في الكتابة الصحفية عالمًا أعبر فيه عن رأيي، الذي كان حادًا في ذلك الوقت وأخشى أنه لايزال كذلك، وقد ذهبت للأستاذ خليل شخصيًا واستقبلني في مكتبه وقدمت له مقالين أحدهما كان ينتقد أداء بلدية إحدى مدن المنطقة ولم ير النور والآخر عن الهفوف وقد نشر، وأذكر أن الأستاذ عبدالرؤوف الغزال كلمني يمتدح المقال وشاعريته. هذا المقال كان انطلاقة مهمة لما سميته بعد ذلك «شاعرية العمارة» أو «الشعر المعماري» وهو ليس شعرًا هندسيًا بل هو نوع من مخاطبة المكان ورؤية غير المرئي فيه. جريدة اليوم كان لها هذا الفضل الذي لا يمكن أن أنساه أبدا.تأسيس الأفكار وبنائها وإطلاقها للمجتمع مهمة ليست سهلة وقد كانت «اليوم» سباقة في إعداد الملفات الثقافية العميقة التي كانت مثار حديث مثقفي المنطقة، وفي عام 1994م نشرت الصحيفة ملفًا عن العمارة شارك فيه كبار المعماريين والأكاديميين السعوديين وغيرهم ودعيت شخصيًا للكتابة في هذا الملف، وقد كنت أقل المشاركين عمرًا وخبرة وعلمًا. لا يمكن أن أصف مدى سعادتي في ذلك الوقت بتلك المشاركة التي كتبت فيها مقالًا مطولًا عن الهوية الثقافية المعمارية، احتل صفحة كاملة، وكان له صدى وتأثير عميقان عرفني بجيل الرواد من المعماريين السعوديين وقربني منهم كثيرًا. في تلك الأثناء كنت استعد للسفر لدراسة الدكتوراة وكنت أشعر ببعض الألم لأني سأنشغل عن الكتابة الصحفية التي بت أشعر أنها مكون أساس من شخصيتي التي يصعب التنازل عنه. محطات العمل مع «اليوم» متعددة لكن إحدى المحطات المهمة التي كان لها ثقل وتأثير هي الإشراف على صفحة «مجتمع وعمران» في مطلع الألفية الثالثة، بتشجيع من الأستاذ سليمان أباحسين الذي كان نائبًا لرئيس التحرير في تلك الفترة، إذا لم تخني الذاكرة. هذه الصفحة التي استمرت مدة عامين كانت مؤثرة من الناحية العمرانية وكانت تقدم زاوية صغيرة غير مذيلة باسم الكاتب عنوانها «في الصميم» هدفت بشكل أساسي للفت الانتباه للأخطاء العمرانية التي كانت ترتكب سواء من قبل المؤسسات الحكومية أو الخاصة وحتى المواطنين. ظلت هذه الزاوية الصغيرة مقلقة لبعض المسؤولين مباشرة عن إدارة المدينة؛ لأنها كانت جريئة ومباشرة. لابد أن أقول إن جرأة مسؤولي الصحيفة في إتاحة فرصة للنقد المباشر للممارسات الخاطئة في إدارة المدينة تركت أثرًا عميقًا مازال كثير من الزملاء يتذكرونه في كثير من المناسبات. من «اليوم» كانت بداية الرحلة مع الكتابة، فما زالت تهيمن على مخيلتي صورة الحاجز الخشبي خارج مكتبي بكلية العمارة في مبنى الحاسب الآلي والذي كنت أعلق عليه مقالاتي التي كنت أنشرها في الجريدة (بين عامي 1991-92م). في تلك الأيام الكتابة كان لها معنى ونشر مقال في جريدة كان يعني الكثير. لعل العالم الآن تغير، وتلك المعاني الجميلة التي كنا نشعر بها في تلك الأيام لم يعد الجيل الحالي يشعر بها، لكن يجب أن نعي أن هذه الصحيفة كان لها فضل عظيم على الثقافة والمثقفين وعلى حركة التنمية في المنطقة. العودة لليوم هي حنين للبيت الأول وهي «حنين لا يمكن نسيانه».