المملكة وروسيا وشراكة الأقوياء
ضخت الزيارة التاريخية التي يقوم بها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -كأول ملك سعودي إلى جمهورية روسيا الاتحادية- المزيد من الدماء في شرايين العلاقة الوطيدة بين البلدين والتي امتدت لما يربو على ثمانية عقود، ومنذ أن اعترف الاتحاد السوفييتي كأول دولة غير عربية بالمملكة العربية السعودية في عام 1926م، وبعد أيام قليلة من إعلان الملك المؤسس -طيب الله ثراه- قيام هذا الكيان الكبير والشامخ، حيث استمرت العلاقة بين البلدين على مر التاريخ، مثلما استمرت الزيارات المتبادلة بين المسؤولين في البلدين، إلا أن حجم التبادل التجاري لم يكن يتناسب مع حجم اقتصاد البلدين وقدراتهما الذاتية كعضوين في منظومة مجموعة العشرين، إلى أن جاءت الزيارة التي قام بها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان عام 2015م عندما كان وليا لولي العهد، والتي أسست مجددا لجملة من خطط وبرامج التعاون المشترك، ورفعت حجم التفاعل الاقتصادي إلى درجة غير مسبوقة، وذلك عبر الإعلان عن أول صندوق استثمارات مشترك بين البلدين بما يزيد على عشرة مليارات دولار، وقربت المسافات بين البلدين فيما يتصل بالتنسيق بينهما في قضايا إنتاج النفط، المملكة بوصفها إحدى أهم دول الأوبك، وجمهورية روسيا بوصفها إحدى أهم المنتجين للنفط من خارج المنظمة، مما أدى إلى الاتفاق حول معدلات الإنتاج التي أعادت الاعتبار إلى أسعار السوق، وأوقفت انهيار الأسعار الذي بدأ عام 2014م، وكان من شأنه أن يواصل الهبوط إلى مستويات متدنية، ومفزعة لو لم تتصدَّ المملكة وروسيا كأبرز منتجي النفط لتصحيح أوضاع الأسواق واستقرارها، كما أن زيارة سمو الأمير محمد بن سلمان تلك قد أسست لبناء علاقات تعاون مشترك بين البلدين على كافة الأصعدة والمستويات، كما مهدت لهذه الزيارة التاريخية لخادم الحرمين الشريفين -يحفظه الله- والتي شهدت توقيع المزيد من اتفاقيات الشراكة، وعقود الاستثمار التي سترفع حجم المنافع المتبادلة إلى مستويات ضخمة، ستتضح آثارها في اقتصاد البلدين في المدى القريب، كما ستنعكس إيجابا على صيغ التفاهمات السياسية أيضا فيما يتصل بقضايا المنطقة، حيث يمثل الحضور الروسي دورا رئيسيا في عدد من القضايا والملفات. ويحظى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بتقدير كافة القيادات في روسيا، وهو الذي يقيم مع معظمها علاقات ودية منذ زيارته الأولى إلى موسكو عام 2006م عندما كان أميرا لمنطقة الرياض.