محمد البكر

الموت في الغربة

الموت في حد ذاته مصيبة.. قد لا تكون مصيبة لمن رحل عن دنيانا، بل مصيبة لأهله وأحبابه وأصدقائه. يقول الله سبحانه وتعالى «فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ». نعم للموت هيبة ووحشة، له وجع وفيه فزع، تبدو الأشياء.. كل الأشياء بلا معنى أو قيمة أمام واقع الموت ومرارته. تلك المرارة التي تتلاشى فيها الفوارق بين البشر، فالغني كما الفقير يبكي ويجزع، يتألم ويستوحش على من فقد. قبل يومين كنا في مقبرة الثقبة لدفن صديق توفاه الله، وفي مكان قريب كانت هناك جنازة لرجل آخر من جنسية عربية. كان حضورنا كبيرا بينما كان حضور الجنازة الثانية قليلا بحكم «الغربة». ذهبنا جميعا لتعزيتهم ومشاركتهم أحزانهم. وبعد أن انتهت مراسم الدفن والتعزية وقبل مغادرتنا المقبرة، تخيلت حال أسرة ذلك العربي الذي غادر الحياة في غربته، بعيدا عن الشوارع التي احتضنته طفلا، عن الأصدقاء الذين شاركوه اللعب في حارته، عن مدرسته وأسواق وأزقة مدينته. تخيلت أسرته وهي بالكاد وجدت من يساهم في دفنه والصلاة عليه، تخيلت باب شقته وأهله في غربة لا ترحم وتذكرت القول الشهير «الغربة كربة».ليتنا جميعا ندرك معنى العيش في وطن آمن، بين أسر مستقرة، في بيوت عامرة بالأهل والأبناء والأحفاد. نمر بحاراتنا كلما اشتقنا إليها، نستعيد طفولتنا، وأبواب جيراننا، وأماكن تجمعنا. ليتنا نحمد الله ليل نهار على أننا لم نجرب الغربة ولا مرارتها. فلقد «من» الله علينا بنعمه التي لا تعد ولا تحصى. فهل نتعلم كيف نحمي وطننا وكيف نضحي لأجله وكيف نرعى أسرنا ونحافظ على علاقاتنا كي لا نشعر بالغربة في وطننا الآمن!! ولكم تحياتي